تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحِيمِ

الحَوْلِيَّاتُ الأنْصارِيَّة

(الجُزْءُ الأول: 1 - 32)

الحَمْدُ للهِ الذي جَعَلَ الليْلَ والنهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شَكُوراً، والصلاةُ والسلامُ عَلَى مَنْ بَعَثَهُ اللهُ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذيراً، وَداعِياً إلَى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجاً مُنِيراً، ورَضِيَ اللهُ عَن صَحابَتِهِ وأتْباعِهِ بِإحْسانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، أما بَعْد:

فَيَقُولُ خادِمُ العِلْمِ وأهْلِهِ أَبُو الولَيدِ؛ وَقاهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ وَجَعَلَ عَلَيهِ واقِيَةً كَواقِيَةِ الوليد: إنّهُ لَما كانَ مِن الكَلامِ ما هُو كالدُّرِّ فِي نَفاسَتِهِ؛ كانَ وسَيلَةً لَتَقْييدِ ما يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِن الخَواطِرِ والمَعانِي، وأحْسَنُ ذلكَ ما اتَّفَقَ فِيهِ جَلالَةُ اللفْظِ مَع جَلالَةِ المَعْنَى، ورُبّما وَرَدَ علَى النَّفْسِ فِي بَعْضِ الأحْيانِ ما يَصْعُبُ اسْتِدْراكُهُ مَتى فاتَ مَعَ شَرَفِهِ وسُمُوِّهِ!، ولِذا جَرَتْ عادَةُ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ علَى تَقْييدِ مِثْلِهِ؛ فَإنَّ للنَّفْسِ إشْراقَاتٍ بِحَسْبِ مَراتِبِها مِن العِلْمِ؛ وعلَى قَدْرِ ما يَفْتَحُ اللهُ تعاَلَى بِهِ علَيْها؛ وفِي التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ تعالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، وفِي حَدِيثِ علِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْه: أَوْ فَهْما يُؤْتِيهِ اللهُ عَبْداً مِن عِبادِه.

وطالَما وَقَعَ للْعُبَيْدِ مِن ذلكَ ما حَمَلَنِي علَى الاسْتِنانِ بِمَنْ سَلَفَ رَحِمَهُ الله، وعَزَمْتُ عَلَى جَمْعِ ذلكَ مُرَتَّباً علَى السنِينِ، فَما يَقَعُ فِي عامٍ مِن الأَعْوامِ أُثْبِتُهُ مُنْفَرداً؛ وأُسَمِّيهَا بالحَوْلِيّاتِ الأنْصارِيةِ!؛ نِسْبَةً إلَى الحَوْلِ؛ وهُو: السنَةُ، لكِنَّ تَعاقُبَ الحَوادِثِ وتَسارُعَ الأيامِ أبَيا إلاَّ أنْ تَاخُذَ الأعْوامُ بَعْضُها بِزِمامِ بَعْضٍ!، ومَرَّتْ مِن السنَواتِ ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ علَى ما بَدَاتُ بِهِ!؛ وأنا أتَحَيَّنُ مِن الأيامِ فُرْصَةً وفَراغاً، ثُمَ رَأَيْتُنِي ولا حِيلَةَ لِي فِي مُجارَاتِها، دَعْ عَنِّي وعَنْكَ الطَّمَعَ فِي مُبارَاتِها!، فَما كانَ إلاّ أنْ أرْخَيْتُ لَها زِمامِي!؛ ونادَيْتُها: حَنانَيْكِ! عَسايَ أُدْرِكُ بَعْضَ أَيامِي، ثُمَّ بادَرْتُ إلَى جَمْعِ ما تَيَسَّرَ وإخْراجِهِ، فَبُؤْ ما شِئْتَ بِغُنْمِهِ وإنْ بُؤْتُ بِغُرْمِهِ وخَراجِهِ، وآثَرْتُ فِيهِ المَيْلَ إلَى اخْتِصارِ العِبارَةِ؛ لِيكُونَ ذلكَ أَعْوَنَ عَلَى حِفْظِها وَتَذَكُّرِها، ولَمْ أجْعَلْ لَهُ مِن التَرْتِيبِ إلاّ ما عَنَّ فِي البالِ وسَنَحَ، واللهُ المُوَفِّقُ سُبْحانَهُ.

1 - الطَّرِيقُ إلَى اللهِ

لَسْتُ أرَى فِي دُنْيانا هَذهِ أَعْجَبَ مِن رَجُلَيْنِ تَرافَقا فِي السَّيْرِ إلَى اللهِ تعالَى ثُمَّ تَزاحَما علَى الطَّرِيقِ!!، ولَعَمْرُ اللهِ إنَّها لَطَرِيقٌ تَسَعُ الخَلْقَ أجْمَعِينَ، وأَقْبَحُ ذلكَ أنْ يَكُونَ المُتَزاحِمانِ مِن أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ!، فَتَرَى الرَّجُلَ يُخَلِّي أوْسطَ الطَّرِيقِ ويَضْطَرُّ نَفْسَهُ إلَى أضْيَقِهِ؛ ويَأبَى إلاّ أنْ يَنافِسَ فُلاناً علَى مَكانِهِ مِنْهُ!، ألا إنَّهُ الحَسَدُ الذِي حَذّرُ مِنْهُ نَبِيُّنا صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيهِ، ومَن ابْتُلِيَ بِهَذا فَعلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ إلَى تارِيخِنا وأُمّتِنا؛ كَمْ وَسِعَ ذلكَ مِن الرِّجالِ!، وهَلْ تَرَى أحَداً مِن الأئِمَّةِ حَطَّ ظُهُورُهُ مِن فَضْلِ أحَدٍ أو نَقَصَ مِن مكانَتِهِ شَيْئاً؟!، واحْذَرْ؛ فَإنَّ الغِبْطَةَ والفَرَحَ بِظُهُورِ أَهْلِ الحَقِّ والخَيْرِ عَلامَةٌ مِن عَلاماتِ الإيمانِ والحُبِّ فِي الله، وإياكَ أنْ تُلَوِّثَ نَفْسَكَ بالحَسدِ ولَوْ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ فَتَكُونَ مِمَّنْ قالَ فِيهِمْ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾، وَلا يَغِيبَنَّ عَنْكَ أنَّ الطريقَ إلَى اللهِ أوْسَعُ مِن أنْ يَزْدَحِمَ علَيْهِ السالِكُونَ.

الحوليات الأنصارية · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوليات الأنصاريةص ٢