تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هَكَذا الحالُ فِي زَمانِنا والله!، ولا عِصْمَةَ - بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ - إلاّ بالعِلْمِ، ومَنْ طالَعَ أَحْوالَ الناسِ فِي اخْتِلافِ آرائِهِمْ وتَنافُرِ عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ رَأى دَلِيلاً مِن دَلائلِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ!.

وَقَدْ أمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذلكَ فَرَأَيْتُ لَهُ أسْباباً:

مِنْها: الغَفْلَةُ عَن تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزاعِ عِنْدَ الخِلافِ، ويَكْثُرُ هَذا إِذا تَبايَنَتْ مَراتِبُ المُتَناظِرِينَ تَبايُنا ظاهِراً، ولِذا جَرَتْ عادَةُ السلَفِ فِي المُناظَرَاتِ باخِتِيارِ الكُفْؤِ فِي المُناظَرَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ ثَمَّةَ سِوى سائِلٍ ومَسْئُولٍ، وعالِمٍ وجاهِلٍ، إلاَّ إِذا كانَتْ المُناظَرَةُ لِرُؤُوسِ أَهْلِ البِدَعِ والأَهْواء، وهَذهِ إنّما تَكُونُ علَى رُؤُوسِ الأَشْهادِ لِبَيانِ حالِهِمْ والتَحْذِيرِ مِنْهُمْ، كَما فِي مُناظَرَةِ إبراهِيمَ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ قَوْمَهُ فِي بُطْلانِ الشرْكِ وصِحَّةِ التوحِيد، ومُناظَرَةِ ابنِ عَباسٍ للخَوارِج، وَفِي مُناظَرَةِ أَحْمَدَ والشافِعِي رَحِمَهُما اللهُ مَعَ أَهْلِ الأَهْواءِ، ومُناظَرَةِ عَبْدِ العَزِيزِ بِن يَحْيى الكِنانِيِّ مِن أَصْحابِ الشافِعِي؛ مَعَ بِشْرِ المَرِيسِيِّ المُبْتَدِعِ فِي حَضْرَةِ الخَلِيفَةِ المَأمُونِ العباسِيِّ فِي بُطْلانِ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، ومُناظَرَةِ ابنِ تَيمِيةَ للبطائِحِيَّةِ الرفاعِيَّةِ؛ وابنِ القيِّمِ لأَحَدِ كِبارِ اليَهُودِ، وغَيرِ هَذا.

ثُمَّ إنَّ المُناظَرَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ أدِيبٍ عاقِلٍ مُنْصِفٍ طالِبٍ للحَقِّ؛ وقَدْ ذكَرَ الشيْخُ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي دَرْءِ تَعارُضِ العَقْلِ والنقْلِ أنَّ المُناظَرَةَ المَحْمُودَةَ نَوعانِ؛ والمَذْمُومَةَ نَوعان، لأَنَّ المُناظِرَ إِمّا أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِالحَقِّ؛ وَإِمّا أَنْ يَكُونَ طَالِباً لَهُ؛ وَإِمّا أنْ لاَ يَكُونَ عَالِماً بِهِ وَلاَ طَالِباً لَهُ!؛ فَهذَا الثالِثُ هُوَ المذْمُومُ بِلاَ رَيْبٍ، ثُمَّ ذكَرَ تَفْصيلَ ذلكَ.

ومِنْها: غَفْلَةُ المَتْبُوعِ عَنْ تَرْبِيَةِ التابِعِ علَى مَحاسِنِ الأخْلاقِ؛ ومِن ذلكَ قُولُ التِي هِيَ أحْسَنُ لَفْظاً ومَعْنَى، واللفْظُ المُسْتَهْجَنُ أَسْرَعُ عُلُوقاً بالذِّهْنِ مِن اللفْظِ الحَسَنِ!، فَإنَّ هَذا الثانِيَ يَحْتاجُ إلَى طُولِ مُراوَضَةٍ ومِراسٍ كَما نَبَّهَ علَيْهِ الجاحَظُ المَشْهُور، ونَقَلَهُ عَنْهُ الشيْخُ بَكْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ أبو زَيْدٍ فِي تَسْمِيَةِ المَولُود، ومَن تَأمَّلَ ما يَقَعُ بَينَ الأشْياخِ عَلِمَ أنَّ كَثِيراً مِنْهُ راجِعٌ إلَى الأتْباعِ مِن هَذهِ الجِهَةِ!؛ فَإنَّ مُشاحَنَةَ الأَتْباعِ تُوغِرُ صُدُورَ المَتْبُوعِينَ؛ وَتَمْنَعُ النَّصَفَة!، والنُّفُوسُ نَزَّاعَةٌ بِهَوَىً دَفِينٍ!؛ ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بالله.

ومِنْها: اصْطِناعُ مَوازِينَ لا قِيمَةَ لَها عِنْدَ التَّحْقِيقِ، كَما لَوْ قِيلَ: إنَّ تَشْرِيعَ القانُونِ الوَضْعِيِّ شِرْكٌ بِاللهِ تَعالَى فِي حُكْمَهِ، فَذلكَ وإنْ كانَ حَقّاً فِي نَفْسِ الأَمْرِ، إلاَّ أنَّ هَذا شَيْءٌ؛ وأنْ يَتَصَدَّرَ للحَدِيثِ فِي هَذهِ النازِلَةِ مَنْ لَمْ يَزَلْ طَرِيَّ العُودِ فِي العِلْمِ!؛ ثُمَّ هُوَ يُفَرِّعُ علَيْها ما يَلْزَمُ مِن الأحْكامِ؛ فَيُعَمّمُ فِي مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ!؛ ويُطْلِقُ فِي مَوضِعِ التّقْيِيدِ!، ويَغْفُلُ عَن دَقائِقِ الفُرُوقِ التِي لا يَتَأَتَّى العِلْمُ بِها إلاَّ للفُحُولِ الذينَ أَحْكَمُوا الأُصُولَ قَبْلَ إتْقانِ الفُرُوعِ؛ فَذلكَ شَيْءٌ آخَر، وقَدْ كَثُرَ هَذا الصِّنْفُ مِن الكُتَّابِ فِي المَجامِعِ والمُنْتَدَياتِ!، كَما طالَعْتُ بَعْضَ ذلكَ مَنْشُوراً علَى صَفَحاتِ الشبَكَةِ؛ وهُو كَثِير!، وذلكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ ما يَجُرُّهُ مِن الفَسادِ يَتَجاوَزُ المَصْلَحَةَ الحاصِلَةَ مِنْهُ بِمَرَّاتٍ ومَراتٍ؛ كَما شاهَدْناهُ ورَأَيْناهُ!!، ولَيْسَ المُطْلُوبُ تَكْثِيرَ الكُتابِ فَإنَّ ذلكَ لا يُكَثِّر!، بلِ المَطْلُوبُ التّعْوِيلُ علَى كِتاباتِ المُحَقِّقِينَ المَشْهُودِ لَهَمْ بالعِلْمِ وطُولِ الباعِ فِيهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ المَواطِنِ مَنْ يَكْتُبُ فِي هَذه النوازِلِ ولَيْسَ لَهُ مِن العِلْمِ كُلِّهِ إلاّ أنَهُ كانَ مُعَلِّماً للتُّحْفَةِ السَّنِيَّةِ!، وللهِ عاقِبَةُ الأُمُور.

الحوليات الأنصارية · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوليات الأنصاريةص ١٢