هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لم يكن مشركا يوما؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله: ﴿وما كان من المشركين﴾ يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل..﴾ الآية, وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي.. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ... فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر..﴾ الآية, ومن ظن ربوبية غير الله فهو مشرك بالله كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار: ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾ , والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي: أي هذا ربي على زعمكم الباطل, والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليما جدليا ليفحم بذلك خصمه, فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر: الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربا, لقالوا له: كذبت, بل الكوكب رب, ومما يدل لكونه مناظرا لا ناظر قوله تعالى: ﴿وحاجه قومه..﴾ استدل به بن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى: ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾ لا دليل فيه على التحقيق؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعا وإظهارا لإلتجائهم إلى الله كقول إبراهيم: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ , وقوله هو وإسماعيل: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ الآية.