وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رَحمة لهم. رواه البخاري ومسلم.
ب - النهي عن التعمّق والتكلّف.
قال الإمام البخاري: باب الوصال. ومَن قال ليس في الليل صيام لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم، وما يُكْرَه مِن التَّعَمُّق.
وفي حديث أنس رضي الله عنه: قال: وَاصَل النبي صلى الله عليه وسلم آخر الشهر، وواصَل أناس مِن الناس، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. رواه البخاري ومسلم.
جـ - لِمَا فيه مِن ضعف القوة، وإنهاك الأبدان. قاله القرطبي.
د - دَفْع الْملل، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنْ الَْعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ. رواه البخاري ومسلم.
ولَمَا نَهى عن الوصال صلى الله عليه وسلم قال: فَاكْلَفُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ. رواه البخاري ومسلم مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
هـ - يُنهَى عن الوصال مِن أجل مُخالفة أهل الكتاب. ولذلك كانت أكلة السَّحَر مِما يُخالَف به أهل الكتاب.
و - لِمَا في الوصال مِن تضييع الحقوق والتقصير فيها، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يصوم النهار ويقوم الليل، فلمّا زاره سلمان رضي الله عنه قال له سلمان: إن لربك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعطِ كل ذي حق حقّه، فأتى أبو الدرداء النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان. رواه البخاري. وسيأتي في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
3 = قول الصحابة رضي الله عنهم: " إنك تُواصِل " ليس فيه اعتراض، وإنما هو سؤال واستفسار عن شأنه صلى الله عليه وسلم، أنه يُواصِل وَيَنْهَى عن الوصال. لأنه صلى الله عليه وسلم كان قدوة لأصحابه، وكان إذا أمرهم بأمر فَعَله، وكان إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمْرَه.
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال، ووصَال أناس منهم، فإنه ليس معصية ولا على سبيل المنازعة له صلى الله عليه وسلم، بل فهموا أن النهي ليس على سبيل المنع، وإنما كان إبقاء عليهم.
قال القرطبي: واحتج مَن أجاز الوصال بأن قال: إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات، فيفتروا أو يَضعفوا عَمَّا كان أنفع منه مِن الجهاد والقوة على العدو، ومع حاجتهم في ذلك الوقت.
وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات، فلما سألوه عن وصالهم أبْدَى لهم فارِقًا بينه وبينهم، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم، فقال: " لَسْتُ مثلكم إني أبيت يُطعمني ربي ويَسقيني ".
فلما كَمُل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورَسَخ، وكَثُر المسلمون وظهروا على عدوهم، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات. اهـ.
وقال ابن كثير: يحتمل أنهم كانوا يَفهمون مِن النهي أنه إرْشَاد، أي: مِن باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم". اهـ.
4 = حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير، وإن كان فيه مشقّة.
5 = الخلاف في الوصال:
اخْتُلِف في حُكم الوصال على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جائز مع الكراهة، وحكمه باقٍ.
والقول الثاني: منهي عنه، وهو منسوخ. وحُجة أصحاب هذا القول أن الليل ليس محلاًّ للصوم.
والجواب عنه ما قاله أبو الوليد الباجي: إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوِصَالُ وَيَصِحُّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَامُ زَمَنَ اللَّيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلنَّهَارِ، فَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ بِالصَّوْمِ فَلا يَجُوزُ. اهـ.