تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصْلٌ فيما يَنبغِي لناشِرِ العلْمِ أنْ يَتَحَلَّى بهِ مِن الفضائلِ

قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يُوسُف: 108]، فأَمَرَ سُبحانَهُ وتعالى نبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يقولَ: هذهِ الدعوةُ التي أَدْعُو إلَيْها، والطريقةُ التي أَنَا علَيْها مِن الدعاءِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العبادةِ لهُ وَحْدَهُ سَبيلِي وطَريقِي ودَعوتِي إلى اللَّهِ، على بَصيرةٍ مِنْ ذلكَ وعِلْمٍ ويَقِينٍ منِّي بهِ أنا، ويَدْعُو إليهِ أيضاً على بَصيرةٍ مَن اتَّبَعَنِي وصَدَّقَنِي.

وقولُهُ تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: وقُلْ تَنزيهاً للَّهِ وتَعظيماً لهُ مِنْ أنْ يكونَ لهُ شَريكٌ، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: بَرِيءٌ منهم، لَسْتُ منهم ولا هُمْ مِنِّي.

فدَلَّتْ هذهِ الآيَةُ على أنَّ الداعِيَ إلى اللَّهِ لا بُدَّ أنْ يكونَ على بَصيرةٍ، وأنْ يكونَ مُخْلِصاً عَمَلَهُ لوَجْهِ اللَّهِ تعالى، دَاعِياً بالْحِكمةِ واللِّينِ والرفْقِ.

قالَ في (فَتْحُ الْمَجيدِ): وقالَ العَلاَّمةُ ابنُ القَيِّمِ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النَّحْل: 123] الآيَةِ: ذَكَرَ سُبحانَهُ وتعالى مَراتِبَ الدعوةِ، وجَعَلَها ثلاثةَ أقسامٍ بحَسَبِ حالِ الْمَدْعُوِّ، فإنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ طالباً للحَقِّ مُحِبًّا لهُ مُؤْثِراً لهُ على غيرِهِ إذا عَرَفَهُ.

فهذا يُدْعَى بالْحِكمةِ ولا يَحتاجُ إلى مَوعظةٍ وجِدالٍ، وإِمَّا أنْ يكونَ مُشْتَغِلاً بضِدِّ الحقِّ، لكِنْ لوْ عَرَفَهُ آثَرَهُ واتَّبَعَهُ.

فهذا يَحتاجُ إلى الْمَوعظةِ بالترغيبِ والترهيبِ، وإِمَّا أنْ يكونَ مُعانِداً مُعارِضاً فهذا يُجادَلُ بالَّتِي هيَ أَحْسَنُ، فإنْ رَجَعَ وإلاَّ انْتَقَلَ مَعَهُ إلى الْجِلادِ إنْ أَمْكَنَ، انْتَهَى.

فتَأَمَّلْ هذهِ الْمَرَاتِبَ الثلاثَ يَظْهَرْ لكَ خَطَأُ كثيرٍ مِمَّنْ يَزْعُمُ أنَّهُ يَدْعُو إلى اللَّهِ وإِلى دينِهِ معَ ارتكابِهِ الطَّيْشَ والعَجَلَةَ وعَدَمَ الرِّفْقِ بالمُخالِفِ، وهلْ هذا إلاَّ مِنْ قِلَّةِ التَّدَبُّرِ لآياتِ اللَّهِ، والتَّأَمُّلِ في سِيرةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُم.

وسُئِلَ سهْلُ بنُ عبدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: مَتَى يَجوزُ للعالِمِ أنْ يُعَلِّمَ الناسَ؟ قالَ: إذا عَرَفَ الْمُحْكَمَاتِ مِن الْمُتَشَابِهَاتِ. يَعني: إذا كانَ بَصيراً بدِينِ اللَّهِ، عالِماً بالكتابِ والسُّنَّةِ.

ورَوَى الإمامُ ابنُ عبدِ الْبَرِّ عن ابنِ عبَّاسٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((عَلِّمُوا أَوْ يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا)) ثَلاثاً.

وعنْ أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ وَلِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ، وَلا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ)).

وقالَ مُوسَى بنُ عُبيدِ اللَّهِ الْخَاقَانِيُّ:

عَلِّمِ العلْمَ مَنْ أَتَاكَ لعِلْمٍ واغْتَنِمْ ما حَيِيتَ منهُ الدعاءَ

ولْيَكُنْ عندَكَ الفقيرُ إذا ما طَلَبَ العلْمَ والغَنِيُّ سَوَاءَ

وذَكَرَ محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيْبَانِيُّ عنْ أبي حَنيفةَ قالَ: الحكاياتُ عن العلماءِ ومُجالسَتِهم أَحَبُّ إلِيَّ مِنْ كثيرٍ مِن الفِقْهِ؛ لأنَّها آدابُ القومِ وأخلاقُهم.

وقالَ الإمامُ الشافعيُّ: مَنْ حَفِظَ القرآنَ عَظُمَتْ حُرْمَتُهُ، ومَنْ طَلَبَ الفِقْهَ نَبُلَ قَدْرُهُ، ومَنْ عَرَفَ الحديثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، ومَنْ نَظَرَ في النحْوِ رَقَّ طَبْعُهُ، ومَنْ لم يَصُنْ نفْسَهُ لم يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ.

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِ · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِص ١٦