فصْلٌ
في بيانِ آفةِ العلْمِ وكرَاهِيَةِ وَضْعِهِ عندَ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِهِ
قالَ الإمامُ النوويُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الْمَقاصِدُ): فطَلَبُ العلْمِ آفَتُهُ صُحبةُ الأحداثِ سِنًّا وعَقلاً ودِيناً.
وقالَ السَّفَارِينِيُّ في (غِذَاءُ الألبابِ): وحِرمانُ العلْمِ يكونُ بسِتَّةِ أوْجُهٍ:
أحدُها: تَرْكُ السؤالِ، الثاني: سُوءُ الإِنْصَاتِ، وعَدَمُ إلقاءِ السمْعِ، والثالثُ: سُوءُ الفَهْمِ، الرابعُ: عدَمُ الحفْظِ، الخامِسُ: عَدَمُ نَشْرِهِ وتعليمِهِ، فمَنْ خَزَنَ عِلْمَهُ ولم يَنْشُرْهُ ابتلاهُ اللَّهُ بنِسيانِهِ جَزاءً وِفاقاً، السادسُ: عدَمُ العمَلِ بهِ؛ فإنَّ العمَلَ بهِ يُوجِبُ تَذَكُّرَهُ وتَدَبُّرَهُ، ومُراعاتَهُ والنظَرَ فيهِ، فإذا أَهْمَلَ العمَلَ بهِ نَسِيَهُ.
قالَ بعضُ السلَفِ: كُنَّا نَستعينُ على حِفْظِ العلْمِ بالعَمَلِ بهِ. وقالَ بعضُهم:
العلْمُ يَهتِفُ بالعمَلْ، فإِنْ أجابَهُ وإلاَّ ارْتَحَلْ
فما استُدِرَّ العلْمُ واستُجْلِبَ بِمِثْلِ العَمَلِ بهِ، ورَوَى الإمامُ أبو عُمَرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ عن الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُذْهِبُ العلْمَ النِّسْيَانُ وترْكُ الْمُذاكَرَةِ.
وقالَ بعضُهم:
إذا لم يُذَاكِرْ ذُو العلومِ بعِلْمِهِ ولم يَدَّكِرْ عِلْماً نَسِيَ ما تَعَلَّمَا
وعن الأَعْمَشِ مَرفوعاً: ((آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ)).
وعنْ أبي فَرْوَةَ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ كانَ يقولُ: لا تَمْنَعِ الحكمةَ أهْلَها فَتَأْثَمَ، ولا تَضَعْهَا عندَ غَيْرِ أهْلِها فَتُجَهَّلَ، وَلْتَكُنْ طَبيباً رَفيقاً يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعلَمُ أنَّهُ يَنفعُ.
وللإمامِ الشافعيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
سأَكْتُمُ عِلْمِي عَن ذَوِي الجهْلِ طَاقَتِي ولا أَنْثُرُ الدُّرَّ النفيسَ على الغَنَمْ
فإنْ يَسَّرَ اللَّهُ الكريمُ بفَضْلِهِ وصادَفْتُ أهلاً للعلومِ وللحِكَمْ
بثَثْتُ مُفيداً واسْتَفَدْتُ وِدَادَهُم وإلاَّ فمَخزونٌ لَدَيَّ ومُكْتَتَمْ
فمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضَاعَهُ ومَنْ مَنَعَ الْمُستَوْجِبِينَ فقدْ ظَلَمْ
ويُرْوَى عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((قَامَ أَخِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، لا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا، وَلا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ)).
وقدْ نَظَمَ هذا بعضُ الْحُكماءِ فقالَ:
مَنْ مَنَعَ الْحِكمةَ مِنْ أهْلِها أصْبَحَ في الناسِ لهم ظالِمَا
أو وَضَعَ الحكمةَ في غَيْرِهم أَصْبَحَ في الْحُكْمِ لَهُمْ غَاشِمَا
لا خيرَ في الْمَرْءِ إذا ما غَدَا لا طالِبَ العلْمِ ولا عالِمَا
ولقدْ أحْسَنَ القائلُ في قولِهِ:
وإذا حَمَلْتَ إلى سَفِيهٍ حِكْمَةً فلقدْ حَمَلْتَ بِضاعةً لا تُنْفَقُ
وقدْ رُوِيَ مَرفوعاً: ((وَاضِعُ الْعِلْمِ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ اللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبِ)).