تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصلٌ

في الْحَثِّ على حِفْظِ العلْمِ وبيانِ أسبابِهِ

لا شَكَّ عندَ العُقلاءِ أنَّ العلْمَ لا يُنالُ إلاَّ بالحفْظِ، ولكنَّ الحفْظَ لهُ أسبابٌ، أعْظَمُها تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ النِّيَّةِ، وإدامةُ النظَرِ، والترَفُّعُ عنْ مُجالَسَةِ السُّفهاءِ والبَطَّالِينَ. ويَرْحَمُ اللَّهُ القائلَ:

شَكَوْتُ إلى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فأَرْشَدَنِي إلى تَرْكِ الْمَعَاصِي

وقالَ: اعْلَمْ بأنَّ العِلْمَ نُورٌ ونورُ اللَّهِ لا يُهْدَى لعَاصِي

وسُئِلَ الإمامُ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ عنْ دَواءِ الحفْظِ، فقالَ: لا أعلَمُ شيئاً أنْفَعَ للحفْظِ مِنْ نَهْمَةِ الرَّجُلِ، ومُداوَمَةِ النظَرِ.

وقالَ بعضُ الفُضَلاءِ في أُمِّ وَلَدٍ لهُ:

سَلامٌ على مَنْ تَيَّمَتْنِي بظُرْفِها ولُمْعَةِ خَدَّيْهَا ولَمْحَةِ طَرْفِهَا

سَبَتْنِي وأَصْبَتْنِي فَتَاةٌ مَليحَةٌ ... تَحَيَّرَتِ الأوهامُ في كُنْهِ وَصْفِهَا

فقُلتُ: ذَرِينِي واعْذُرِينِي فَإِنَّنِي شُغِفْتُ بتحصيلِ العلومِ وكَشْفِهَا

ولِي في طِلابِ العلْمِ والفضْلِ والتُّقَى غِنًى عنْ غِنَاءِ الغَانِيَاتِ وعَرْفِهَا

ولم يَزَلِ العلماءُ الأعلامُ يَحُضُّونَ على الحفْظِ والتفَهُّمِ لِمَا يُحْفَظُ؛ لعِلْمِهم رَحِمَهم اللَّهُ تعالَى بما في ذلكَ مِن الفوائدِ، حتَّى قالَ بعْضُهم، وهو الخليلُ بنُ أحمدَ شَيْخُ سِيبَوَيْهِ:

ليسَ بعِلْمٍ ما حَوَى القِمَطْرُ ما العلْمُ إلاَّ ما حَوَاهُ الصَّدْرُ

وقالَ بعْضُ الأئمَّةِ الأعلامِ مِنْ عُلماءِ الأَنْدَلُسِ كما في (نفْحُ الطِّيبِ):

تَكْتُبُ العلْمَ وتُلْقِي في سَفَطْ ثمَّ لا تَحْفَظُ لا تُفْلِحُ قَطْ

إنَّما يُفْلِحُ مَنْ يَحفَظُهُ بعْدَ فَهْمٍ وتَوَقٍّ مِنْ غَلَطْ

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

العلْمُ في القلْبِ ليسَ في الكُتُبِ فلا تَكُنْ مُغْرَماً باللَّهْوِ واللَّعِبِ

فاحْفَظْهُ وافْهَمْهُ واعمَلْ كَي تَفُوزَ بِهِ ... فالعلْمُ لا يُجْتَنَى إلاَّ معَ التَّعَبِ

وقالَ أعرابِيٌّ: حَرْفٌ في تَامُورِكَ خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ في كُتُبِكَ.

والتَّامُورُ: عَلَقَةُ القلْبِ.

وَسَمِعَ يُونُسُ بنُ حَبيبٍ رَجلاً يُنْشِدُ:

استَوْدَعَ العلْمَ قِرْطَاساً فَضَيَّعَهُ وبِئْسَ مُسْتَوْدِعُ العلْمِ القَرَاطِيسَ

فقالَ يُونُسُ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ما أَشَدَّ صِيانتَهُ للعلْمِ، وصِيانتَهُ للحِفْظِ، إنَّ علْمَكَ مِنْ رُوحِكَ، وإنَّ مالَكَ مِنْ بَدَنِكَ، فَصُنْ عِلْمَكَ صِيانَتَكَ رُوحَكَ، وصُنْ مالَكَ صِيَانَتَكَ بَدَنَكَ.

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِ · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إرشادُ الطُّلاَّبِ إلى فَضيلةِ العِلْمِ والعملِ والآدابِص ٥