- ثم هي أخيراً لا يرد عليها أي استثناء من حيث الأشخاص والأشياء , بمعنى أنه لا يمكن أن يستثنى من الخضوع لها أي شخص أو أي أشياء في الدولة , لأن من يستثنى منها لن يكون خاضعاً للدولة.] (1)
إن هذه السيادة التي رتبها "لوازو" للملك ما هي إلا ألوهية مفرطة , فالملك لا يُقيَّد بأي قيد أو حد , ولا يُتصَور من هو أعلى منه , فإذا قال قائل: ولكنه لم يصرح أنه أعلى من الله أو مساوٍ له , قلنا: وما الذي يجعل إرادة هذا الملك وهو واحد من البشر أعلى من جميع إرادات البشر , إلا أن يكون إلها؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
إن هذا المعنى تواتر عند الأوروبيين , فقد نقل الدكتور فتحي عبد الكريم عن "برتراند" في كتابه (السيادة) عن أحد الإنجليز المعاصرين لـ "لوازو " واسمه " Albericus Gentils" قوله:
[إن صاحب السيادة هو من لا تعلوه سلطة أخرى , فإذا ما وجد أقل شك في استقلاله فإنه لا يكون صاحب سيادة , فالسيادة لا يعلوها شخص ولا قانون ولا تحدها أي قيود أو حدود] (2)
إن هذه ألوهية .. لقد خلعوا على هذا الملك صفات الألوهية , فهو أعلى من جميع البشر مجتمعين ممن يعيشون في مملكته , وعليهم أن يسمعوا له , لا لشيء إلا أنه الملك , فسيادته تنبع من ذاته!
ولقد فشل كل فلاسفة السياسة في تبرير خضوع الشعب لإرادة بشرية , إذ أنه لا شرعية مطلقاً لأن يأمر بشر , لا لشيء إلا لكونه بشر فيطيعه الآخرون.
ولقد صرّح كبار فلاسفة السياسة وأساتذة القانون الدستوري -كما سأنقل أقوالهم لاحقاً – بأن نظرية السيادة لا يمكن تفسيرها تفسيراً منطقياً معقولاً إلا إذا فُسِّرت من وجهة النظر الدينية فقط , فمن المعقول والمفهوم أن يكون إله يأمر وخلق يطيعون , أما أن يأمر مخلوق مخلوقاً لا لشيءٍ إلا أنه مخلوق , فذلك شيء لا يُتصور , سواء كان هذا المخلوق "البابا" أو " الملك " أو " الشعب " , فالجميع في النهاية بشر , فكيف تسمو إرادتهم على إرادة غيرهم؟
(1) " الدولة والسيادة: 53".
(2) " الدولة والسيادة: 53".