502 - ثم ذكر بسنده، عن أبي عبد الله الحمداني، أنه قال: لم نشعر يوم الجمعة، وإذا بالأشعري قد طلع على منبر الجامع بالبصرة بعد صلاة الجمعة، ومعه شريط قد شده في وسطه ثم قطعه، وقال: اشهدوا علي إني كنت على غير دين الإسلام، وإني قد أسلمت الساعة، وإني تائب مما كنت فيه من القول بالاعتزال، ثم نزل.
ثم قال: الحمداني مجهول.
وإنما رماه بالجهل لأنه رجل كبير لا مطعن فيه، فهو إما أن يكون يعلمه وأنكره لهواه، فذلك وصمة فيه، وإما أنه جاهل به حقيقة فهو قصور، وعدم اطلاع، وإنما رماه بالجهالة لأن في تمام الحكاية أمرا كتمه وأخفاه ولم يذكره، وهو أنه قال أبو عبد الله الحمداني: ثم أن الناس اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: فقال أصحابه ومتابعوه ومن بهواه: بان له الحق فتبعه، وقالت طائفة: كان قد مات له قرابة، وله مال كثير، وكان إذ ذاك بالبصرة قاض يغلو في السنة، فقال له القاضي: أهل ملتين لا يتوارثان، ومنعه من الميراث بتأويل يتأوله عليه، فأظهر التوبة حتى أخذ الميراث، وقال طائفة: كان قد اشتغل بالكلام، وأفنى فيه عمره، وبلغ منه أقصى مبلغ، ولم ير لنفسه رتبة عند العامة، ولا منزلة عند الخاصة، فأظهر التوبة ليؤخذ عنه، ويقبل منه، ويحصل له منزلة، فبلغ بذلك بعض ما أراد.
هذا آخر كلام الحمداني، فكتم هذا منه ابن عساكر، وأخفى لهواه بيان حال الحمداني، قال أبو علي الأهوازي: كان أبو عبد الله الحمداني رحمه الله إماما في اللغة قيما بالنحو والعروض والغريب والأخبار والأشعار، مقدما في ذلك، لم يكن فيه عصبية في الديانات، ولا ميل إلى الغلو في ذلك، ولا يقول في ذلك إلا بالحق، آخر كلامه.
وقد وصف غير واحد الحمداني هذا بالمعرفة بالنحو وغيره، وأنه كان إماما في اللغة، وقد نقل عن الأشعري حكايات عديدة شنيعة، رواها عنه الأئمة، وقد ذكرنا طرفا منها في كتاب كشف الغطاء، منها الحكاية التي ذكرها عنه حين لقن الميت، فقال الدافن: اللهم أوسع مدخله، وأكرم نزله، فقال الأشعري: وألعقه خراه، قال: فقلت له: هذا الكلام ليس من ذا الجانب، هذا من ذاك الجانب، فقال: وأنا في ذاك الجانب ولدت، فسئل عن ذلك، فقال: قلت له: هذا مذهب الإلحادية، فقال: وأنا ولدت ملحدا وغير ذلك، لكني لم أر ترجمة هذا الرجل في تاريخ الذهبي، فهذا الذي ذكر عنه الخبر، قد ذكر أن الناس في ذلك الآن اختلفوا في توبته، هل هي صادقة أم لا؟ وهذا يرد قوله: إن الناس اتخذوه إماما، وأيضا قد نقل الحمداني هذا أن الناس لم تقبل توبته، ولم تأخذ بكتبه، وهذا يرد على ابن عساكر قوله، ثم ذكر حكاية أخرى، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا وأنه تاب، ثم ذكر أمرا آخر كذلك بسند، وأنه تاب عن الاعتزال، ثم قال: فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة إلى مذاهب أهل السنة والجماعة، فقد أثبت أنه كان أكثر عمره على غير السنة، وإن كان معتزليا متكلما، وأنه تاب عن الاعتزال، ولم يتب عن الكلام فيا سبحان الله من كان بهذه المثابة، وبهذه الحالة، يجعل إمام الإسلام، والمقتدى به يترك مثل أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وابن المبارك، ولا يقتدى ولا يذكر إلا هذا الذي أقام على البدعة عمره، وقد اختلف في توبته، هل كانت حقيقة أم لا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون
ثم قال ابن عساكر بعد أن ذكر توبته: فإن قيل: كيف يبرأ من البدعة من كان رأسا فيها، وهل يثبت لله الصفات من كان دهره ينفيها؟ وهل رأيتم بدعيا رجع عن اعتقاد البدعة، أو حكم لمن أظهر الرجوع منها بصحة الرجعة، وقد قيل: إن توبة البدعي غير مقبولة، وفيئته إلى الحق بعد الضلال ليست بمأمولة، وهب أنا قلنا بقبول توبته إذا أظهرها فما ينقص ذاك من رتبته عند من خبرها، قال: قلنا هذا قول عري عن البرهان، وقائله بعيد من التحقيق عند الامتحان، بل التوبة مقبولة من كل من تاب، والعفو من الله مأمول عن كل من أناب، والأحاديث التي رويت في ذلك غير قوية عند أرباب النقل، والقول بذلك مستحيل أيضا من طريق العقل، فإن البدعة لا تكون أعظم من الشرك، ومن ادعى ذلك فهو من أهل الإفك، ومع ذلك يقبل إسلام الكتابي، والمرتد، والكافر الأصلي، فكيف يستحيل عندكم قبول توبة المبتدع الملي، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48] ، قال: والبدعة إذا كشفت عن حقيقتها وجدتها دون الشرك بما هنالك، فإذا كان يقبل الرجوع عن الشرك الذي لا يغفره، فكيف لا تقبل توبة مبتدع لا يشرك به، وأكثر العلماء من أهل التحقيق على القول بقبول توبة الزنديق مع ما ينطوي عليه اعتقاده الرديء من الخبث، وما يعتقده من جحود الصانع وإنكار البعث، والمبتدع لا يجحد الربوبية، ولا ينكر عظمة الإلهية، وإنما يترك بعض ما يجب عليه أن يعتقده لشبهة وقعت له ينكب بها رشده، قال: وقد سمعنا بجماعة من الأئمة كانوا على أشياء رجعوا عنها وتركوها بعد ما سلكوها وتبرءوا منها فلم ينقصهم ما كانوا عليه من الابتداع لما أقلعوا عنه ورجعوا إلى الاتباع، ثم ذكر أن أكثر الصحابة، كانوا على عبادة الأصنام، ثم صاروا سادة الإسلام، وذكر عن بعض أهل العلم توبته، والجواب عن كلامه هذا من ثلاثة أوجه: الأول أن جماعة من أهل العلم طعنوا في توبته، وقالوا: إنما فعل ذلك تمويها وتلبيسا، قال أبو الحسين بن أبي المعمر: وقعت إلى مسألة في الإيمان فتعجبت منها، وأخذتها وانحدرت إلى بغداد من أجلها لا غير، وجئت ابن الباقلاني، فأريته إياها، وقلت له: ما هذا؟ فقال لي: هذا صحيح عنه قد صنفها يتقي بها الحنابلة ببغداد، ولا يعتقد بها وإنما جعلها وقاية من مخالفيه، قال الأهوازي: فحاله في التوبة كذلك أظهر ذلك وقاية لا اعتقادا ومذهبا.
الثاني أن جماعة قد قالوا: إنه إنما تاب لأنه كان قد مات له قريب فمنعه بعض القضاة من إرثه، فأظهر التوبة لذلك.
الثالث: أنه تاب عن الاعتزال، ولم يتب عن علم الكلام والتأويل، وأما رده من عدم قبول توبة المبتدع، فهذا أمر قد ورد فيه عدة أحاديث، أحدها ذكرها الأهوازي، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «التوبة محرمة على صاحب بدعة» .
الثاني ذكره الأهوازي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله أبى أن يقبل لصاحب بدعة توبة» .
والثالث ذكره الأهوازي، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة» ، وأما هذا الحديث فأخبرنا به جماعة من شيوخنا.