تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَدَّمْنَا، فَسُبْحَانَ الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [6/ 115]،فَقَوْلُهُ صِدْقًا أَيْ فِي الْإِخْبَارِ، وَقَوْلُهُ: وَعَدْلًا؛ أَيْ فِي الْأَحْكَامِ0وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدْلِ: الْمِلْكَ بِالرِّقِّ وَغَيْرَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ

وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: الْقِصَاصُ

فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا غَضِبَ وَهَمَّ بِأَنْ يَقْتُلَ إِنْسَانًا آخَرَ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، خَافَ الْعَاقِبَةَ فَتَرَكَ الْقَتْلَ، فَحَيِيَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، وَحَيِيَ هُوَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فَيُقْتَلُ قِصَاصًا، فَقَتْلُ الْقَاتِلِ يَحْيَا بِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَثْرَةً كَمَا ذَكَرْنَا، قَالَ تَعَالَى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2/ 179]،وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْدَلِ الطُّرُقِ وَأَقْوَمِهَا، وَلِذَلِكَ يُشَاهِدُ فِي أَقْطَارِ الدُّنْيَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا قِلَّةُ وُقُوعِ الْقَتْلِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي تَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ رَادِعٌ عَنْ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ0كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا0وَمَا يَزْعُمُهُ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِقْلَالَ عَدَدِ الْمُجْتَمَعِ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ ثَانٍ بَعْدِ أَنْ مَاتَ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ فَيُحْبَسُ، وَقَدْ يُولَدُ لَهُ فِي الْحَبْسِ فَيَزِيدُ الْمُجْتَمَعُ0كُلُّهُ كَلَامٌ سَاقِطٌ، عَارٍ مِنَ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَرْدَعُ النَّاسَ عَنِ الْقَتْلِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْعُقُوبَةُ رَادِعَةً فَإِنَّ السُّفَهَاءَ يَكْثُرُ مِنْهُمُ الْقَتْلُ، فَيَتَضَاعَفُ نَقْصُ الْمُجْتَمَعِ بِكَثْرَةِ الْقَتْلِ.

وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ

الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِى سَرَقَتْ، فَقَالَ وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (1).

(1) - صحيح البخارى- المكنز [12/ 193] (3475)

هداية القرآن للتي هي أقوم · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هداية القرآن للتي هي أقومص ٢٠٠