تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حِين فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَسْلَمُوهُ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بَاسَ بِقِتَالِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَمْنَعْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ.

208 - قَالَ: وَلَا بَاسَ بِأَنْ يَحْضُرَ مِنْهُنَّ الْحَرْبَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَطْبُخُ لِلْغُزَاةِ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ مُشَمِّرَاتٍ، يَحْمِلْنَ الْمَاءَ لِلْمُجَاهِدِينَ يَرْتَجِزْنَ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ، وَالْمُرَادُ الْعَجَائِزُ، فَالشَّوَابُّ يُمْنَعْنَ عَنْ الْخُرُوجِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَالْحَاجَةِ تَرْتَفِعُ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ. 209 - وَذُكِرَ عَنْ ﴿أُمِّ مُطَاعٍ، وَكَانَتْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: رَأَيْت أَسْلَمَ، حَيْثُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَلْقَوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ فَنَدَبَهُمْ إلَى الْجِهَادِ فَنَهَضُوا. وَلَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ أَوَّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ فَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ بِالنَّطَاةِ﴾. فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَاسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ لِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. شرح السير الكبير - (ج 1 / ص 193)

237 - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إذْن مَوْلَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ (55 آ) الْخُرُوجِ عِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ كَفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى لِلْعَبْدِ مِمَّا مَلَكَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْعَبْدِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ مِلْكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَبَيَّنَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقٍ الْأَوْلَى.

238 - وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ إذَا كَانَتْ بِهِنَّ قُوَّةُ الْقِتَالِ فَلْيَخْرُجْنَ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا صَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَسَمَّى جَمَاعَةً مِنْ الَّذِينَ فَرُّوا﴾. وَكَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَاسْتَحْسَنَ قِتَالَ النِّسَاءِ وَمَدَحَ مِنْ لَمْ يَهْرُبْ مِنْهُنَّ بِمَا قَالَ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ النِّسَاءُ بِالْقِتَالِ.

239 - وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّوَابِّ أَنْ يَخْرُجْنَ أَيْضًا فِي الصَّوَائِفِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَقَامَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ. فَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَخْرُجْنَ مَعَ الصَّوَائِفِ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى. جَاءَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَبْعِ غَزَوَاتٍ، فَكُنْت أَطْبُخُ لَهُمْ وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَسْقِيهِمْ الْمَاءَ.

240 - وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ، لِأَنَّ بِالرِّجَالِ غُنْيَةً عَنْ قِتَالِ النِّسَاءِ، فَلَا يَشْتَغِلْنَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِوُقُوعِ النَّفِيرِ عَامًّا لَا بَاسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقَاتِلَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَزَوْجِهَا. بَلَغَنَا ﴿أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلَتْ يَهُودِيًّا تَسَوَّرَ عَلَيْهِمْ حِصْنًا كَانُوا فِيهِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ النِّسَاءَ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَهُنَّ فَجَاءَ يَهُودِيٌّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَسَوَّرَ الْحَائِطَ. فَأَمَرَتْ صَفِيَّةُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِأَنْ يَقُومَ إلَيْهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ فَيَقْتُلَهُ، فَقَالَ حَسَّانُ: أَنَا مِنْ أَرْبَابِ اللِّسَانِ لَسْت مِنْ أَرْبَابِ الضَّرْبِ وَالطِّعَانِ فِي شَيْءٍ، فَقَامَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهَا﴾. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَاسَ بِذَلِكَ.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٧٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٧٤٤