تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الثاني عشر

عقوبة ترك الجهاد في سبيل الله

- الاستبدال بقوم غيركم (1):

قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (38) سورة محمد

إنَّكُمْ يَا أيُّها المُسْلِمُونَ تُدعونَ إلى الإِنْفَاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وَفي سَبيلِ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِ، وَفي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ. وَمَنَ المُؤمِنينَ مَنْ يَبْخلُ بالإِنْفَاقِ في هذا السَّبِيلِ، وَمَنْ يَبْخلْ فَإِنَّما يضُرُّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، لأنَّهُ يحرمُها ثَوابَ اللهِ، وَيَحْرِمُها مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العِبَادِ، وَعَنْ أمْوالِهِم وَعَنْ جَهَادِهِمْ، وَهُمُ الفُقَراءُ إلى فَضْلِهِ وإحْسَانِهِ، وَإنما حَثَّهُمْ عَلَى الجِهادِ وَالبَذْلِ لِيَنَالوا الأجْرَ وَالمثَوْبةَ.

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى لَهُم: إنَّهُم إنْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَعَنِ اتِّبَاعِ شَرْعِهِ فإنه قادِرٌ عَلى إهْلاَكِهِمْ، وَعَلى الإِتْيَانِ بقَومٍ آخرِينَ يُؤمِنُونَ باللهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لأوامِرِهِ، وَيَعْمَلُونَ بشَرائِعِهِ، وَلاَ يَكُونُونَ أمْثَالَ مَنْ أهْلَكَهُمْ في البَخْلِ وَالتَّبَاطُؤِ عَنِ الجِهَادِ.

قال ابن كثير:

" هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَل " أَيْ لَا يُجِيب إِلَى ذَلِكَ " وَمَنْ يَبْخَل فَإِنَّمَا يَبْخَل عَنْ نَفْسه " أَيْ إِنَّمَا نَقَصَ نَفْسه مِنْ الْأَجْر وَإِنَّمَا يَعُود وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِ " وَاَللَّه الْغَنِيّ " أَيْ عَنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَكُلّ شَيْء فَقِير إِلَيْهِ دَائِمًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاء " أَيْ بِالذَّاتِ إِلَيْهِ فَوَصْفُهُ بِالْغَنِيِّ وَصْفٌ لَازِم لَهُ وَوَصْفُ الْخَلْق بِالْفَقْرِ وَصْفٌ لَازِم لَهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ.

وَقَوْله تَعَالَى " وَإِنْ تَتَوَلَّوْا " أَيْ عَنْ طَاعَته وَاتِّبَاع شَرْعه " يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ " أَيْ وَلَكِنْ يَكُونُونَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ لَهُ وَلِأَوَامِرِهِ.

وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن خَالِد عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَة" وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " قَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اِسْتَبْدَلَ بِنَا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى كَتِف سَلْمَان الْفَارِسِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ثُمَّ قَالَ " هَذَا وَقَوْمه وَلَوْ كَانَ الدِّين عِنْد الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَال مِنْ الْفُرْس " تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِم بْن خَالِد الزِّنْجِيّ وَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْر وَاحِد وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْض الْأَئِمَّة رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ وَاَللَّه أَعْلَم. تفسير ابن كثير - (ج 15 / ص 337)

وفي الظلال:

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ١١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ١١٠٠