تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصول القراءة الصحيحة

اعلم أنّ القراءة ليست هي الاستشهاد، فأنت حين ترى كاتبًا أو خطيبًا أو معلمًا يقتنص جملة من كتاب أو قولًا لقائل أو بيت شعر لشاعر فيقع في وهمك أن هناك جملة تغني عن كتاب أو قولًا يكشف كل القائل أو بيت القصيد -كما يسمونه- الذي يختزل كل القصيدة، فتكتفي بذلك وتظن أنك قد حصَّلت المراد وفهمت المطلوب، وتجعل هذه الطريقة هي قراءتك؛ فأنت على خطأ عظيم.

لا يوجد بيت القصيد الذي يُغني عن قصيدة، كما لا توجد قصيدة تُغني عن شاعر، كما لا توجد جملة تُغني عن كتاب ولا كتاب يُغني عن كاتب.

الكاتب الذي تبحث عنه -أي الإنسان- هو ذرات منتشرة في كل كلمة كتبها، وحين أن الكل مختزل في هذه الذرة تكون جانيًا على نفسك وعلى فهمك للأمور، فعليك لتعرف "النفس" كلها أن تمر على جميع ذراتها، وأن تجمع هذه الذرات في أماكنها الصحيحة، وإياك و"التشييء"؛ و"التشييء" هو الجمع غير المنهجي والإضافات غير الأمينة، كمن يريد أن يصنع هيكلًا لإنسان فتقطع الأجزاء فيركبه تركيبًا سيئًا ويستعيض عن بعض الأجزاء بأطراف حيوانات أخرى، ثم يزعم أنه أتى بالمطلوب.

هذا "التشييء" منتشر بكثرة بين القراء، ويبدو في أجلى حالاته السيئة عند "المستشهدين" بالأجزاء من الكتب أو من أقوال الكتَّاب، وكذلك عند الدارسين للكتب والكتاب، حيث يركبون الأمور -خلقًا آخر- لا يمتُّ للواقع والحقيقة بصلة.

في القراءة الدينية هذه علة العلل في افتراق الناس مذاهب وفرق، وهي أساس الانحراف قديمًا وحديثًا؛ يأتي المستدل ليأخذ النص معزولًا عن سياقه وسباقه، معزولًا عن غيره الذي قاله الشارع، مفصولًا عن البيئة التي مُدحت أفهامها فيه، طاردًا للفعل الممثل والنموذج له، ليضعه في بيئة أخرى ومع نص آخر ليسقط عنه لزومًا معانٍ أخرى تحريفية.

هذه قراءة مشوهة وغير أمينة، ولذلك من أعظم مهمات أصول الفقه وأصول التفسير هو حماية النص من هذا "التشييء" لمنع الخداع، وإنه لباب عظيم في أصول الفقه لم يجد العناية الكافية في أيامنا هذه شرحًا وتوضيحًا وهو طرق ترتيب النصوص، وهو ما يسمى عند الأوائل: إعمال الأدلة، والذي له بعض المصنفات الحديثية تحت اسم: "مُشكِل الحديث" أو "اختلاف الحديث"، ومقصدها ترتيب الأدلة في سياقات مؤتلفة غير متعارضة أولًا، ثم ترتيبها في مواضعها الصحيحة كترتيب أجزاء البدن تمامًا كما في المثال السابق.

فن القراءة · الصفحة ١٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٣٥