كيف يبدو النص دليلًا لكل فرقة، وأساس النص هو الهداية؛ أي منع الاختلاف؟ إن كل محاولة لتجميل هذا الوضع تحت دعوى حرية الاختلاف والآراء هي محاولات فاشلة غير سديدة، وهي التي أعطت الحجة لأعداء الدين وإحياء أمته بقولهم: أي دين تريدون منا؟! وهي التي أعطت الحجة كذلك للمفتين الجهلة أصحاب قصة "اختلف العلماء" ليلفقوا ما شاءت لهم أهواؤهم من آراء وأقوال واختيارات.
وبعض الواهمين ظن أن كتب أسباب اختلاف العلماء ككتاب ابن تيمية (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، هي لإقرار الاختلاف وعدم محاولة رفعه، مع أن هذه الكتب هي لإعذار علمائنا ورفع الملام عنهم وعدم اتهامهم بأنهم أرادوا الاختلاف أو تبديل الدين، لكن ماذا نقول اليوم لمن يقول: "إن سبب قولي بحِلّ الغناء هو لعدم قبول الأفارقة لدين يمنع الموسيقى"؟! أو كقوله: "إن القول بعدم جواز قتل المسلم بكافر لا يتلاءم مع العصر"، أو كقوله: "إن منع انخراط المسلم في جيش دولة كافرة يؤدي إلى اتهام بالوطنية". فهل مثل هؤلاء يُرفع عنهم الملام، أو يُقال عنهم: إنهم أمناء على كلمة الله؟!
ولعله من التنبيه العلمي أن نشير إلى أن ما يسمى بـ"آيات الأحكام" هي تسمية غير صحيحة، ففقه القرآن وأحكامه تكون بعلم كل آية فيه، وسياقها وسبب نزولها -ظروفها-، ولذلك على من يستدل بآية من كتاب الله أن يكون عالمًا بكتاب الله تعالى بهذه الشروط وغيرها مما ذكره علماء التفسير. وما قيل من شرط: وهو عدم الخروج على تفسير السلف، إنما هو شرط جامع لهذه الشروط، وإن من عظمة كتاب ابن تيمية (مقدمة في التفسير) هو بيان أن تفسير السلف لا تعارض فيه كما يبدو للقارئ المبتدئ، وكتابه يدخل دخولًا أوليًا في هذا الباب وهو "إعمال الأدلة" التي ظاهرها التعارض وليست كذلك.
إن من أعظم أسباب امتهان الدين اليوم، واستخدام نصوص لكل أحد هو هذا "الانتقاء الشهواني"، وإلباسه للدين ورفع شعار القداسة عليه.
هذه الخطيئة مع النص المعصوم من كتاب وسنة هي عينها التي تمارس اليوم على كل القراءات والنصوص، وإن شئت فانظر إلى الفرق المتناطحة والمناهج المتعارضة والمفتين المتشاكسين وكلهم يزعم أنه يقتدي بابن تيمية في فهم النصوص الشرعية.
من قاتل الدولة فدليله ابن تيمية، من قاتل مع الدولة فدليله ابن تيمية، ومن هجر المجالس البرلمانية فدليله ابن تيمية، ومن جعل دخولها واجبًا كفائيًا فدليله ابن تيمية.
وهكذا تمتد القضايا وتتشعب، والطريقة هي: نص يؤخذ ثم يملؤه القارئ بمفردات خاصة به دون أن يعرف أصول "الكاتب" والتي لا تُعرف إلا من خلال قراءته كاملًا، وقراءة استقرائية عميقة، وهي الأصول التي من حقها أن تحدد مفردات النص العملية والواقعية.