تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القراءة من الحرف إلى الفعل

قال لي صديقي الذكي يومًا: "إن رصاصة واحدة تستطيع اختراق عشرات المجلدات"، فقلت له: "إنها رصاصة الجهل مع كتب ميتة".

سمى الله القرآن روحًا، والروح أساس الحياة، وسيد قطب اشترط حياة الحرف من مواته أن يأخذ روح كاتبه، فالحرف ليس معرفة فقط بل هو فعل.

الذين ينظرون إلى الكلمات بهذا المنظار ويتعاملون معها على هذه القاعدة هم أهلها حقًا، وأما الآخرون فهم قطاع الطريق فيها.

لست أنكر أني منحاز لأمتي في أصلها وفي تاريخها، فإن أمة كانت تقيم الحروب من أجل بيت شعر أو من أجل كلمة لأمة عظيمة تستحق أن تأكل كل الأمم، بشرط أن تجد كلمة الحق التي تحبها وتعلِّمها وتثيرها وتقودها، وبحمد الله قد وجدتها أعظم ما يكون؛ إنها كلمة الله.

إن أمة تقيم الاعتبار للكلمة يعني أنها تقيم الاعتبار لأسمى معالم الجمال في الدنيا، وأنها تقيم الاحترام للقيم الإنسانية، تلك القيم التي تجعل للحياة معنى ورونقًا، فأي حياة من غير الحب والولاء والوفاء والعدل والفداء والكرم؟!

هكذا كان العربي قبل الإسلام، يسلُّ سيفه من أجل كلمة، ويبذل ماله من أجل كلمة، ويضحي بنفسه وعشيرته من أجل كلمة، فالكلمة هي حياته، فهو يدرك أنه يمكن أن يعيش فقيرًا ولا عار، ويمكن أن يعيش مشرَّدًا بلا ملك ولا استقرار، ولا عار، فالصَّعلَكة فتوّة القيم، لكن لا يمكن أن يعيش بلا كلمة؛ لأنه حينئذ يكون بلا قيمة.

هذه الكلمات التي هي عنده عنوان على الحقائق وليست مجرد هواء يصخب في فضاء، ولذلك لا يُعرف عن أمتي قط أنها لاكت كلمات لا تعني حقائق وجودية، ولم يستنكفوا أن يقولوا: "السندس" و"الإستبرق" وهي ليست من لغتهم؛ لأن حقائقها ليست من وضعهم، فلما جاءتهم من الآخرين كانوا أمناء فأخذوها بأسمائها.

ومن طرائف هذا العربي الراقي رقيًّا تعجز عنه بقية الأمم أنه قيل له: ما تسمون ماء الطعام عندكم؟ قال السَّخين، قالوا: فإذا برد ماذا تسمونه؟ قال: لا نتركه حتى يبرد. فالكلمات دلائل على الحقائق أعظمها ما كان مطية يحمل في داخله القيم والمعاني والصور؛ لهذا كانت الكلمة عنده عظيمة لأنها تعادل الوجود.

فن القراءة · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٢٢