تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النصوص المقررة من كلام الأئمة الأعلام من أجل تحرير جهلهم وأفكارهم الضعيفة الخادعة، وإنه لولا وجود الفطرة ونماذج التاريخ لما بقي سليمًا من آفات هؤلاء المشعوذين.

أنا أعلم أن هذه القراءة هي فن العلوم كلها، وهي خلاصة ضوابط العلوم من نحو وصرف وأصول فقه وأصول حديث، وعلم نفس واجتماع واقتصاد وسياسة وعسكرية، والوصول إليها يكون عبر الارتقاء على هذه العلوم، ولا يمكن الوصول إليها -أي هذه القراءة- إلا بعد تجاوز هذه العلوم، والأمة تعاني ولا شك من ضعف هذه العلوم في نفوسها، بل هي إلى الآن لم تتجاوز تعلم مصطلحاتها، إذ كل ما يعلم اليوم هي المصطلحات وإن زادوا فبعض قواعدها، لكن لا يأس؛ فإن في هذه الصحراء الكثير من الواحات التي يراها المرء هنا وهناك باسطة الأمل بحمد الله تعالى.

أما الجواب على الاعتراض الثاني وهو تصور عدم وجود الكاتب في كتب الرواية الأثرية التراثية، فهذا باب الجهل الذي ولج فيه أعداء التراث من جهة، والأغبياء المنتسبون إليه بجهالة هذه الأيام من جهة أخرى.

البعض يظن أن كتب الرواية في التراث ككتب الحديث والسيرة والتاريخ هي مجرد أداء فقط لما سمع المصنِّف، أي أنهم سجلوا -حملوا- ثم بلغوا، وبالتالي لا يمكن قراءة الإنسان الكاتب في هذه الكتب؛ لأنه لا دور له فيها، لا في كون تصنيفاتهم تعبر عن مناهج، ولا كونها يمكن قراءة الإنسان فيها.

أما قضية المنهج فستُبحث في "مفاتيح الكتب" إن شاء الله تعالى، وأما قضية قراءة الإنسان فهذا موضعها:

ما من كتاب حديث وخاصة المصنفات والسنن والمعاجم إلا وجعلوا النصوص في أبواب وكتب، وجعلوا للأبواب والكتب عناوين تدل على آثار هذه النصوص في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، بعضهم يطيلها وبعضهم يقصرها، فالمصنف يروي غلته ويكشف عن نفسه من خلال هذه العناوين ومن خلال ترتيب هذه النصوص، وقد يعلق تعليقات يسيرة هي كافية لتحقيق منهجه ومراده، ولكن لننتبه أن كتب العلم ليست دواوين شعر، كما أن كتب العلم ليست مجالًا للحديث عن نفسٍ بمقدار ما هي حديث عن عقل، وبالتالي كتب العلم تكشف العقل الإنساني أكثر مما تكشف خلجات مشاعره وعواطفه، وبالتالي هي كشف لهذا الإنسان في أعظم غرائزه وهي العقل، كما أنها كشف لهمومه ومشاكل عصره، ومستوى عصره العلمي والثقافي.

كتب أهل العلم تكشف سهولتهم ووعورتهم، تكشف فقههم وتفاوتهم العلمي، تكشف جهودهم ورحلاتهم، إنصافهم وعدلهم.

الإمام البخاري بينه وبين شيخه علي بن المديني الشيء الكثير، ومع ذلك روى عنه في كتاب سماه (الجامع المسند الصحيح)، فأي نفس سامية هذه؟!

فن القراءة · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٣٣