تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- أولًا أنها قراءة للمتقنين من الكتّاب، أما وقد فسد الذوق اللغوي وضعف البيان؛ فإن الكتابة اليوم لا يمكن أن تفيد في هذه الإبانة الصادقة والكاشفة، ثم كذلك لكذب الكاتبين ونفاقهم.

- والوجه الثاني: إن كتب الرواية كالحديث والسيرة والتاريخ قد تكشف الموضوع لا أن تكشف مؤلفها ومصنفها.

أما الجواب على الاعتراض الأول فهو: اعلم أن النص حتى لو كان مسروقًا فإنه يفيد في هذه الدلالة، ومن غير إبعاد للنجعة، وإبعادها هاهنا له فوائد؛ فإنه يكفي أن يكشف لك سرقة الكاتب ووهمه أنه لا أحد غيره يعرف النص من مصادره؛ أي غروره، وأمانيه بأن يكون مبدعًا لهذا النص، وفي مرات يكشف لك تذوقه للنص وهل هو متذوق راقٍ أم غبي، وهكذا.

ما نُسب إلى المتنبي من سرقات هل هي كاشفة عن إبداع أم عن جهالة؟!

إن المتأمل لكل ما قيل عن سرقات المتنبي لهي دليل من وجه على ثقافته الواسعة، وتصرفه البياني الذي يهدم ويبني بنفس اللَّبِنات.

وما قيل عن جرير وهجومه على معاني الشعراء في وسط النهار، يسلبهم إياها مهددًا إياهم وبقوة الهجاء أن يتخلوا له عنها، وكان يقول عنها: "سرقة لا توجب القطع"، على ماذا تدل هذه السرقة العجيبة؟! -لا حديث لنا في هذا الباب عن سارق غبي وقح، وإن كان يفيدنا أننا عرفنا بذلك-.

أما دعوى أن هذه القراءة لا تفيد في زمن ضعفت فيه حاسة الذوق البياني، فيُقال: هذه دعوى خطأ؛ لأن ضيق أدوات الكاتب هي دلالة على ضيق أفقه، وسعة أدوات الكاتب دالة على سعة أفقه، والمرء بحاجة أن يعرف البعر كما هو بحاجة أن يعرف الدرر، ومن سعادته في الحياة أن يضع الحذاء في القدم كما يضع العمامة على الرأس، وأما أن يجهل هذا كله فهي من دلائل شِقوته، والمصباح الذي حمله الأعمى في الليل وهو ذاهب ليستقي الماء إنما حمله لمن لهم أعين ولا يبصرون بها، بل يتبجحون بسعتها ولونها الأخاذ.

فالقراءة لك لئلا تضاجع الأفعى، وفنونها من أجل أن تسخرها لا أن تكون مسحورًا بها.

حين ترتقي فنون القراءة، وتنتشر القراءة الناقدة تقل الزيوف والأكاذيب، فكما أن الكاتب الجيد يصنع قارئًا جيدًا؛ فكذلك القراءة الجيدة تطرد الدجالين وقطاع الطريق وضاربي الكلمات الفارغة، وتجعلهم يعيدون رحلة التعليم من جديد حتى لو شابت منهم النواصي.

لقد كفانا الله أعداء الدين والكلمة بأن صرف عنهم القلوب والأعين فلا أحد يسمع لهم إلا هم، يصرخون ويسمعون صدى أنفسهم في وديان الغربة عن الأمة، لكن المصيبة في هؤلاء المنتسبين لهذه الأمة، والذين يرفعون لواء الدفاع عنها وكلامهم لا يعدو زيفًا خادعًا وترابًا رخيصًا، يتسترون وراء ألقاب كبيرة وصخب أتباع جهلة ويبرزون سيوف النصوص المعصومة من كتاب وسنة أو

فن القراءة · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٣٢