تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأمل العربي هذا النص وتساءل من يقوله؟ لقد سمعوا قول الملوك وأحسوا فيها حاجة وضعفًا مهما تقنع وتخفى، وسمعوا كلام الشجعان ورأوا فيه اضطرابًا وحاجة لآخر، فعنترة يشتكي فرسه من تحته لكثرة إرهاقه له، فهذا نص وإن أراد صاحبه تعظيم نفسه إلا أنه إبانة عن حاجته لفرس.

وسمعوا كلام الأسخياء والكرماء ورأوا فيها الإنسان الذي يعرفون من أنفسهم.

لكن هذا النص يبين عن قائل ليسوا هم، فليس فيه ضعف الإنسان ولا حاجته، بل هو يجري مجرًى واحدًا هو أن قائله إلاه؛ غني كل الغنى، عظيم كل العظمة، يملك كل ما سواه، ولذلك خرجت منه الكلمة الواصفة لهذه القراءة حين سمع القرآن بقوله: هذا كلام لا يخرج إلا من إِلّ -أي إلاه-.

هذه القراءة هي التي كشفت للعربي قائل القرآن.

هذه القراءة هي كقراءة الطبيب لجسد واحد يرفض أن يعترف أن العلة في نفسه، فهو يريد أن يعرف من أنت حتى صرت هكذا.

إنها القراءة التي لا تنتهي، وتجعلك تقرأ كل النصوص، فلا تهتم أمن النص يفيد معرفة قديمة لك، لأن النص هنا ليس لمعرفة الموضوع لكن لمعرفة الكاتب، كيف هو عندما كتب النص كما هو في بقية حياته ونفسه. (1)

يمكن لك أن تقرأ النص كاشفًا لجغرافية الكاتب أو تاريخه أو مهنته أو للأحوال الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، وهي التي تسمى اليوم بـ"البنيوية" بمعناها الأكاديمي، وهي قراءة علمية وذكية مثل ما ذكر ابن خلدون عن صديق له أخبره أنه أنشدد قصيدة لابن النحوي -ولم ينسبها- لكاتب من كتاب السلطان وفيها:

لم أدرِ حين وقفت بالأطلالِ ... ما الفرق بين جديدها والبالي

فقال له الكاتب: هذا شعر فقيه.

فسأله: كيف عرفت؟

فقال: من قوله "ما الفرق"، إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب العرب.

أو كالأعرابي الذي سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يصف رجلًا من أهل الجنة يطلب أن يزرع، فقال الأعرابي: هذا أنصاري، فإنهم أهل زرع.

وهكذا تمتد هذه القراءة وتتعدد جوانبها الخفية والكاشفة لكن أعظمها هو أن تعرف الإنسان فيها.

قد يعترض أحد على هذه القراءة من وجهين:

(1) كنت أتمنى أن يحضرني ولو كتاب واحد حتى أمثل لك، لكن أرجو أن يكون هذا الفصل بضعفه كافيًا للأذكياء.

فن القراءة · الصفحة ١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٣١