ثم إن التحديق في الكتب وهي مصفوفة على الرفوف زمنًا طويلًا يعطيك في أحيان كثيرة شعورًا خادعًا أنك تعرفها، وبالتالي تعرف ما فيها، فهذا كتاب له سنين في مكتبتك تنظر إليه يوميًا، وتعرف اسمه واسم صاحبه وما هو موضوعه ومباحثه، وربما قلّبته في بعض اللحظات لدقائق فاطلعت على كلمات فيه أو صفحات، فينشأ وهم في داخلك أنك تعرف الكتاب، أي أنك قرأته. وهذا وهم باطل؛ فالقراءة الحقيقية هي أن تقرأ الكتاب كله، كل الكتاب، بل قد تحتاج أن تقرأه مرات حتى تسمى قارئًا حقيقيًا له.
ولعله من النصيحة التي أحبها للقارئ ألا يطيل ترك كتاب ملكه مدة طويلة في مكتبته دون قراءته، فإن طول الوقت مع ما تقدم وَهْم قلَّما لا يقع المرء فيه.
اقتحم الكتاب وتحدى هذا الوهم، وستكتشف هذا الخداع بنفسك، وأن ما كنت تظنه أنك تعرف الكتاب هو وهم غير صحيح، فالكتاب ما زال أجنبيًا عنك.
الكتاب ليس بغلافه ولا باسم كاتبه ولا عنوانه، بل الكتاب هو كل حرف فيه وكل كلمة وكل صفحة وكل جزء، وحين تأتي على كل هذا تسمى قد قرأت الكتاب.
وقريبًا من هذا الوهم هو انتشار بعض الكتب وانتشار بعض أسماء المؤلفين والكتَّاب، والذي يؤدي إلى انتشار الحكم عليها وعلى مناهج أصحابها، فيبعث هذا كله شعورًا مخطئًا أنك تعرف الكتاب أو تعرف كتب المؤلف المشهور، مع أن الأمر على غير ذلك. ملايين الطبعات للتورة والإنجيل ومع ذلك كان يكتشف إخواننا في مناظراتهم لبعض كبار الدين النصراني أنه لا أحد منهم قرأ الكتاب كاملًا.
أنت تعرف (تاريخ الطبري) والكل يذكره في معرِض ذكره لكتب التاريخ، لكن اسأل: كم أحد قرأه كله؟
الكل يعرف (مقدمة ابن خلدون)، لكن سل: كم قارئ قرأها كلها؟
الكل يعرف المتنبي ويردد كثيرًا من الأبيات له، إنما السؤال: كم من قارئ قرأ (ديوان المتنبي) كله قراءة تذوق؟
إن بعض من ينتسب للعلم والفتوى ومع ذلك لم يقرأ (تفسير ابن كثير) كله، دع عنك تفسير الطبري والقرطبي وغيرهما.
بل إن بعض هؤلاء لم يقرأ الكتب الستة التي لا تصح فتوى امرئ إلا بعد قراءتها بعلم وفقه، إن رجلًا لم يقرأ (تفسير ابن كثير) على الأقل والكتب الستة مع شروحها، و (السنن الكبرى) للبيهقي، و (المغني) لابن قدامة، و (المحلى) لابن حزم لا يصح أن ينتسب لأهل الفتوى.