للفخر الرازي فأشرت عليه بشرائه، فقال: "لا أشتريه، أليس هذا الرازي الذي رد عليه ابن تيمية؟ وهو من المتكلمين؟ "، فما زلت أحاوره وأُفهمه حتى اشتراه، مع رؤية بعض الكراهة في وجهه.
إن بعض الكتب تُنشئ وهم "الحزبية والقبلية" بين القارئ وصاحب الكتاب، فيصبح محبًا لما يحبه صاحب الكتاب، مبغضًا لما يبغضه صاحب الكتاب، وهذا ضعف في العقل والنظر. هذا الرجل لا يعرف أنه لا يوجد كتاب كتبه أصولي إلا وهو متأثر بالمنطق، إلا كتاب (الرسالة) للشافعي، حتى كتاب ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام) فإن صاحبه له رأي في المنطق غير رأي ابن تيمية الذي يقلّده هذا الطالب، فقد كتب ابن حزم كتابًا سماه (تقريب حدّ المنطق) وهو ضمن رسائل ابن حزم المطبوع بعناية الدكتور إحسان عباس.
العلاقة مع الكتاب ينبغي ألا تُفهم علاقة مع الكاتب، وهذه المسألة غير مسألة الحب في الله والبغض في الله، ولذلك كم جنت هذه القضية على العلم، فقد ذُكر أنه صار بعض أهل العلم يحملون كتب ابن تيمية في أضابير بغير اسمها حتى لا يُساء لهم أنهم يقرؤون لابن تيمية. وهناك تجارب أخرى في إزالة اسم الكتاب واسم المؤلف، لتحطيم الأوهام التي تنشأ في عقول البعض من الدعائية الزائفة أو القراءة القبلية، ومن ذلك ما وقع لكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
لا تُخدع بالأسماء ولا بالعناوين، بل اقرأ وتجرّد من الهوى تتحصّل الكثير.
هذه الخدعة سماها إبراهيم العسعس في كتابه (السلف والسلفيون) بـ"علم نفس الدليل". لقد حُرمت طويلًا من كتب أبي الأعلى المودودي في بداية القراءة لأني سمعت أحدهم في جماعة التبليغ -أوائل أيامي معهم- يعيب اسمه، "أبو الأعلى واللهُ هو الأعلى! "، فلما قرأت له أدركت جهلي وعلمت كم في كتبه من الخير والفهم والعقل الكبير.
ومن خدع القراءة "القبلية"؛ وهو الاكتفاء بكتب الردود عن قراءة الكتب الأصلية، معتمدًا على أمانة الرادّ ودينه وثقته، وهذا وهم ينبغي للمرء تجنبه، بل عليه أن يسعى إلى قراءة الكتب الأصلية نفسها، إذ ستكتشف أن هناك من الجوانب التي استفدت منها ووسّعت مداركك وفهمك للكتاب.
لا اسم الكاتب حاجز ولا العنوان ولا الردود عليه، فاحذر الخداع.
يتوهم البعض أنه باقتناء الكتاب ودخوله في ملكيته أنه قرأ الكتاب، وهذا وهم مرضيّ؛ فإن وجود الكتاب في مكتبتك لا يعني أنك قرأته، كما لا يعني أنك سيطرت عليه، فيمكن استحضاره إليك في أي وقت، نعم قطعت بعض الطريق لكن الاكتفاء بهذا الوضع يتحول إلى حاجز يحول بينك وبين مقصد الكتاب وهو قراءته، فالكتاب لم يوضع للحلية، وفائدته لا تكون بالتحلي به كأثاث البيت وفاخر اللباس وغالي الجواهر، بل حلية الكتاب هو أن تصفّيه حرفًا حرفًا في عقلك وقلبك.