تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أوائل الطاعون قد أتى مصر، وانقطعت أواخره من الشام، فاكترى مع المسافرين إلى غزة، ثم فارقهم قبل الدخول إليها، فلم يعرفوا له خبرا، ثم جاء الخبر أنه أفتى لبعض أهل غزة فتوى قدم بها إلى دمشق، وأراد الحكم بها، فاختلف فيها أهل الشام، وحصل غاية العجب من شخص يخفي نفسه من الناس، ثم يفتي بما يفضي إلى النزاع، ثم جاء الخبر أنه رؤي في حماة ثم في حلب وذلك في جمادى الآخرة أو شهر رجب من السنة، ومن هناك تحقق أنه قصد بلاد الروم؛ لان ملكها السلطان محمد من أهل التفنن في العلم والتعظيم لأربابه، فهو أجدر الملوك بأن يعرف مقدار الشيخ، ثم جاء الخبر كما سيأتي أنه مات في مدينة عينتاب رحمه الله وآجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرا منها، فلقد فقد الناس عالما قل أن سمح الزمان بمثله، ودفن في الأرض من بحور العلم والعقل، وبعد الغور، ونافذ الفكر، وصائب الرأي، وصادق الظن، ما لو تجسد لم تسعه، هذا مع حسن الشكالة، وخفة الروح، ولطافة، المحادثة، وأنس المجالسة، وحلاوة النادرة، وجزالة النظم، وفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وجلالة المعاني في كل ما يتوجه إليه إلى غير ذلك من أمور يعجز البليغ وصفها ويعييه إفصاحها وكشفها.

وكان موته عن نيف وأربعين سنة أكثرها أسفار، وبعد عن القرار، هذا مع أن أباه شيخ بلاد المغرب ورئيسها الذي تتردد إلى بابه الملوك فمن دونهم، ولهم من الرياسة والضخامة ما يجل عن الوصف، ثم إنه مات غريبا وحيدا كسيرا فريدا، فسح الله له في قبره ما بينه وبين مولده آمين، وأخبرني تلميذه العلامة نجم الدين محمد بن العلامة القاضي ولي الله عبد الله بن القاضي زين الدين عبد الرحمن ابن قاضي عجلون الدمشقي الشافعي، أنه كثيرا ما كان يسمعه ينشد هو بنفسه في ناس قليل:

إظهار العصر لأسرار أهل العصر · الجزء ٣ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إظهار العصر لأسرار أهل العصرج ٣ · ص ١٠٣