تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقرائهم للخطوط، وإن كانت معجرفة بفتح المطالعة الطويلة، فيلمحها لمحة واحدة، لعلها تكون أقل من ربع درجة بمشاهدتي ثم يطويها، ويكلم حاملها فيها.

ولما قدمت من عمارة خان الفندق، أعطيته المحضر الذي كتبته بعمارته، بحضرة السلطان، فقرأه (ولم يتأمله) قراءة حسنة، لم يتلعثم فيها وكان بعض أصحابي من نواب القضاة قد رآه، فقرأه مرتين، فأقسم بالله، أن قراءة ناظر الخاص له أول مرة، أحسن من قراءة ذاك في المرة الثانية.

وكان يجلس بحضرة السلطان الملك الأشرف إينال، وله عنده من العظمة ما لا مزيد عليه، بحيث أنه لا يقضي لأحد شغلا إلا بواسطته، لا من الترك، ولا من غيرهم، فكان كل الناس إلى بابه.

مع أنه كان معظما عند الظاهر، على أنه كان يود لو أهلكه، وكان يريد عزله فلا يقدر؛ لكثرة أعوانه من الجند وغيرهم؛ ولأنه لا يجد له زلة تقتضي ذلك.

وأوصافه لعمري كثيرة في الدهاء، مع من يداهيه، والعشرة الحسنة لمن يعامله بمثلها، وأحسن ما فيه أن مجلسه سالم من الغيبة، وأنه لا تستخفه النميمة ولا يقبل الباطل من أحد، وأن عدوه الذي لا يقارنه منه في أمان، وأما القتل فلا يعرج على قصده، ما أذاه أحد أبو الخير النحاس، ولما كسره كان يتفقده بالإحسان في طرطوس وبعدها، وكان قادرا على قتله بأهون سعي، وكان شديد التخوف منه، ولم يقتله.

والحاصل أنا ما رأينا رئيسا يساويه، ومع ما أوتي من إقبال الملوك، والتمكن لديهم، فعنده كف شديد عن الشر، ولم يكن يقرب الأشرار، ولا يميل إلى أحد منهم، وإذا غلط في بعضهم ثم انكشف له رجع عنه، ولم يلزم غلطه كما هو عادة أهل الزمان لئلا ينسب إليهم خفه.

إظهار العصر لأسرار أهل العصر · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إظهار العصر لأسرار أهل العصرج ٢ · ص ٣٩٤