في كل مرحلة أو مرحلتين يلقاهم شيء من ألطافه، وكان مع ذلك كله ليست له مظالم فاحشة خارجة عن العرف كما يفعل غيره، وكان لا يزداد على طول المراجعة إلا بشاشة وتبسما، وكان يفصل الأمور المهمة المتشعبة بأدنى شيء، وهو مع لطفه وبشاشته في غاية المهابة، بحيث انه معدود لذلك في عتاه الجبارين، يجلس أكابر من الجند في دست مجلسه الذي يقضي في الأشغال، في دور القاعة، وقليل منهم من يجلس في الإيوان الذي هو به، وله من الصدقات ما يقضي منه العجب، من الخبز والأطعمة التي تنقل إلى الحبوس والمحاويج من غيرهم في القرافة والمدينة، والنقود، وغالب ذلك سر، حكي: أن الخبز عشرة آلاف رغيف في كل يوم.
ومن يوم موته صار المحابيس يخرجون من السجن ويقعد بهم في السوق، ينادون: الحبس، والجوع، يا أهل الخير، ولم يكونوا في أواخر أيامه يفعلون ذلك، وحكيت ذلك لبعض الرؤساء لعله يتشبه به في ذلك فما اكترث.
وله من الآثار في تمهيد الطرق الصعبة، كطريق القدس والخليل، والخانات المحتاج إليها كخان أسدود، والخطارة وغير ذلك شيء كثير.
ولا يذكر أحد في مجلسه بسوء لمجرد الغيبة أصلا ولو أنه أعدى أعدائه، ولا يلتفت إلى من يتكلم فيه ويؤذيه ممن لا يقارنه أصلا، ولا يظهر أنه سمع عنه شيئا، وهو مع ذلك ينصفه إذا لقيه ويقضي أشغاله، بحيث يجد في نفسه الأمن منه نفسه، ومن أن يمكن منه عدوا بباطل، ويتحمل كثيرا من أقرانه، غير أنه إذا تحقق من أحدهم عدم الرجوع مال عليه ميلة يتحدث بها وتكون عبرة للمعتبر، وتستمر صولتها في القلوب دهرا من أن يذكر ذلك، أو يكترث به، ثم لا يدعه يرفع له رأسا أبدا، وإذا كسره، يصير هو يرفده ولا يقطع نواله عنه، وهو من أذكى بني آدم