ونسألك عنه، ناشدتك الله هل تعلم أنه مفسد أم لا؟ فقال: أعلم أنه كان مفسدا عظيم الفساد، ثم كف الآن عنه. فقلت: الشق الأول من كلامك مثبت فهو مقبول، والثاني ناف وشهادة النفي في مثله مردودة.
فقال: تاب. فقلت: الذي يقبل التوبة في الحال هو الله تعالى؛ لأنه
يعلم ما تكن الضمائر، وأما العباد فلا يقبلونها إلا بعد الاستبراء، فقالوا: الشاب ينتقل، والمشفوع فيه أبوه، فقلت: أنتم تشفعون أم تأمرون، فقال الأمير بردبك: بل نشفع، فقلت: إن كنتم تشفعون فإني لا أقبل، وإن كنتم تأمرون فسمعا وطاعة، فإن طاعة الأمير من الله، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، وإن جلد الظهر وأخذ المال.فقال: بل نشفع نيابة عن السلطان، وهذا أمر لا بد منه. فقلت: هذا حينئذ أمر في صورة شفاعة، فالسمع والطاعة، وأقل الأمور أن تكتبوا على ابنه التزاما أنه لا يدخل ذلك الزقاق. فقالوا: بل نلزمه من غير كتابة، فحاولتهم على الكتابة فعجزت. فقلت: افعلوا حينئذ ما شئتم، فطلبوا الفاوي، فحضر، فأمروه أن يقبل يدي، ففعل وكرر ذلك، وقال الأمير، وابن خصبك: نحن الذين أذنبنا، ونسأل فضلك أن تهبنا هذا الذنب، فلم ازد على السكوت وإيهام الرضى.
فلما رآني لا أقبل عليه، ولا أفعل شيئا مما يسره قال لهم: سلوه هل
صفا قلبه؟ فقلت: إن كان المراد بالصفا عدم الأذى، فوالله ما أوذي مسلما ولا غيره بغير حق، وإن كان المقصود به الميل القلبي أو عدم الوجد، فهذا ليس إلي، ولا يقدر عليه إلا الله، ثم انفصلنا على ذلك، وقد كان يتفتت قلب من حضر هناك من أهل العلم، وأطلق الناس ألسنتهم بالذم للسلطان؛ لكونه لم يرع الصحبة، ولا الحق، فترك الدين والمروءة لعرض من الدنيا أرضيت به زوجته، وقد كان قادرا أن يفعل الحق، بالتمكين من شخصه على قصة الأنبياء، ويأخذ أكثر مما أخذ، وكنت في الميعاد في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات