عقل الأمير أو دينه، ثم أحضره إلي ليصالحني، فقلت: ذكرت له الشرط؟ فقال: نعم، فقلت: لا يكون مني إذا إليه إلا الخير، ثم لم أثق بقبوله ذلك الشرط، فحركته ببعض الكلام، فتكلم بما لا يليق، فقلت: اسمع هذا الافتتاح، فقال له: ما هذا يا شيخ عيسى؟ ما لك بالفقهاء، الفقهاء سباع احذرهم، هؤلاء لهم طريق، ولكم طريق، (يشير إلى طريق التصوف التي ادعاها عندهم)، فقلت: لا يا أمير الطريقان واحدة ما ثم إلا طريق واحدة. فقال الأمير: واحدة؟! فقلت: وتلك الطريق الواحدة لا يخرج عنها أحد، ومن خرج عنها وقع الكلام معه كائنا من كان، فقال: نعم.
ثم لم يزل الله وله الحمد يظهر لي التأييد، وله الخذلان، من ذلك أنه كان يربط ضعفاء العقول، بأنه يقدر على أذى من يريد بالحال، ولا سيما مع ثبوت رجم بيت سلطان تونس عندما سجنه، فقلت لبعضهم: ها أنا فعلت معه ما لم يظن أن أحدا كان يفعله معه، فليجتهد في ما يقدر عليه من أذاي، قولوا له ذلك عني، فقالوه له، فقبض يده وقال: أما تنظرونه؟قالوا: لا. قال: هاهو في قبضتي، وسترون ما أفعل. فلما مضت مدة أخبرني العلامة محقق الزمان، الشيخ أبو الفضل أنه قال لبعضهم : قل له: أنت كنت تقول: من شممتم منه رائحة الانتقاد علي فأخبروني عنه، وانظروا ماذا يحل به، وهذا واجهك بما قد واجهك به، وقد مضت مدة يمكن فيها أخذ بعض القلاع، ولم نره أصيب. فقال له ذلك، فقال: لم أعزم فيه على شيء لأني لم أسكت له وقت كلامه لي، فيكفيه ما خاطبته به، فأقر على نفسه بالعجز، ولم يظهروا الانحلال عنه، مع علمهم بمخالفتهم لكافة الناس، فسبحان الهادي المضل.