للجارية اذهبي به إلى الكوز وأوهميه أنك تسكبين منه كما كنت تفعلين، فلما أتته به شرب شربا متوسطا، ثم دفعه بيده، وأظهر التبرم به، وأشار إلى الكوز، فقلت: اذهبي إليه، وخيلي له أيضا وأتيه بماء البطيخ، ففعلت فشرب منه قليلا جدا، ثم دفعه وأشار إلى الزير، وما علمت أنه قط شرب من الزير، فعلمت أنه إنما أمعن في المرة الأولى لأنه كان خالي الذهن، سالم الصدر من أن يمكر به، وانضم إلى ذلك أن العادة في فم المريض أن يكون مرا لا يدرك صاحبه الطعوم إلا بعد تأمل، ودلت إشارته إلى الزير من غيربكاء ولا صياح، على ذكاء مفرط، وحسن خلق، ثم إنه استمر في النزع من بكرة يوم الخميس إلى حين ماتن وكان في كل ساعة يشتد به، وهو مع ذلك قليل التشكي، لم يقل آه إلا عندما بدأ به النزع، وكان لا يقولها إلا بعد كل حين، إلا في حين الموت، فشرع يوالي ذلك، فلما سمعته انزعجت، فقمت وتأملته، فإذا به قد مات رأسه إلى حنكه الأعلى، وجمد بصره الذي كان في أوائل النزع يحركه حركة سريعة جدا، وضاق سواد عينه حتى لا يكاد يبين، وصار لا يتحرك منه إلا حنكه الأسفل وما تحته، وصارت نفسه تقعقع في صدره، وصار يوالي التأوه، فحصل لي من الوجد ما لا أقدر على التعبير عنه، ثم خطر لي الاستعانة بالصبر والصلاة، فأمرت الجواري بالوضوء، وأن تصلي كل واحدة ركعتين، وتسأل الله أن يهون عليه سكرات الموت، وتوضأت أنا وإحداهن وصليت ركعتين، فلما كنت في الثانية، سمعت منهن ما دلني على موته، فأسرعت وذهبت إليه، فإذا هو قد قضى إنا لله
إظهار العصر لأسرار أهل العصر · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
إظهار العصر لأسرار أهل العصرج ٢ · ص ١٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي