تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لغيره ملك، أو قسط منه، أو أن يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلا لم أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تشفع" (١).

هذا في حديث الشفاعة المشهور: أن النبي ﷺ يقول: "فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع" (٢)، فهو ﷺ لم يبدأ بطلب الشفاعة، ولكن مُنحت له.

قوله: "وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (٣)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله" دل ذلك على أنه لا بد من إذن الله للشافع أن يشفع، بدليل قوله: "واشفع تشفع"، ولابد من رضاه عن المشفوع له، وشرط الرضا: أن يكون من أهل التوحيد والإخلاص، لقوله: "من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه"، وإن شابته شائبة كبيرة، لا تبلغ الشرك ..

قوله: "وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، وينال المقام المحمود" (٤)، هذه حقيقة الشفاعة: أنها تفضل ورحمة من الله عز وجل على من أراد الله تعالى أن يرحمه؛ وذلك بواسطة شفاعة هذا الشافع، الذي أذن له بها، فيكرمه الله على رؤوس الخلائق، بأن يجيز شفاعته، ولا شك أن ذلك كرامة له، ودليل على منزلته عند الله سبحانه وتعالى، وبهذا يتبين فضل الشفاعة، قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فالمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، وهو

(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٧).

(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم برقم (٧٥١٠) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٣).

(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب الحرص على الحديث برقم (٩٩).

(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٨).

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد · الجزء ١ · الصفحة ٢٨٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيدج ١ · ص ٢٨٢