بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: الاستقامة على السبيل، وعدم الخروج عنه، فوحّد الصراط، والسبيل، وعدَّد السبل. فما أكثر السُبل المنحرفة! وأما سبيل الله فهو سبيل واحد قاصد، وصراط مستقيم، لا يعوج بالسالك، فعلى الإنسان أن يعلم أن الحق واحد، لا يتعدد، وليستقم عليه. إما قول من يقول: لله تعالى طرق شتى توصل إليه، أو سبل متعددة، وأديان متعددة، فهذا باطل، بل سبيل الله واحد، وصراطه واحد، فليجتهد في إصابته، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ -ولا يمكن أن يُخطئ غالبًا، إلا في أمر فرعي-، فله أجر واحد.
مناسبة الآيات للباب:
مناسبة ظاهرة؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى ابتدأ بأعظم وصية، وهي النهي عن الشرك، المستلزم للتوحيد. والبداءة به دليل على أهميته.
ثم قال المصنف رحمه الله:
قال ابن مسعود رضي الله عنه من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليه خاتمه، فليقرأ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (١).
الشرح:
عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، صحابي مشهور، من أخص أصحاب النبي ﷺ به، ومن أقربهم سمتًا، ودلًا، وهديًا برسول الله ﷺ، حتى إن كلامه رضي الله عنه يشبه كلام النبي ﷺ، كأنما عليه أنوار النبوة؛ لأنه تلميذ نجيب، فيجيء كلامه وبيانه قريبًا من كلام النبي ﷺ.
وهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، ويقال له: ابن أم عبد، وكان من فقهاء الصحابة الأجلاء، ومن معلمي القرآن، وقد جاء في الحديث: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما
(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٣٨١).