تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يعذر به فاعله، سواء في الأمور الاعتقادية، أو في الأمور العملية. فلو قدرنا أن إنسانًا نشأ في بادية بعيدة، وظل شطرًا من عمره لا يغتسل من الجنابة؛ لعدم وجود من يعلمه، ويفتيه، فلا نأمره بإعادة كل ما مضى، ونلتمس له العذر بالجهل. ولو وقع مثل ذلك من إنسان يعيش في المدن، وبين ظهراني العلماء، ثم لم يسأل، ولم يستفت، فإنه لا يعذر بذلك، فمرجع ذلك إلى تقدير المفتي الواقف على حاله. فلا بد من قيام الحجة الرسالية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فمن استحكمت أسباب الجهل في قومه، ونشأ بين ظهرانيهم لا يحسن غير هذا،، فإنه يكون معذورًا. وهذا إذا كان الأصل فيه الإسلام، وأما إن لم يكن مسلمًا، فإن الله يختبره يوم القيامة، بما يتبين به إيمانه أو كفره.

الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة؛ بل تضر؛ لقوله: "لا تزيدك إلا وهنًا".

فماذا يرجو المتعلق بمثل هذه الأوهام، إذا كانت لا تنفعه ولا تضره؟! وقد حرم الله الخمر والميسر، مع أن فيهما نفعًا، لغلبة إثمهما على نفعهما، فكيف بما لا منفعة فيه أصلًا؟!

الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.

كما فعل النبي ﷺ، فدل على أن من فعل ذلك فإنه يغلظ عليه في الإنكار؛ وذلك -والله أعلم- في الأمور المشتهرة البينة التي توافرت الدواعي على العلم بها؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمن نشد ضالته في المسجد: "لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" (١)، وهذا تغليظ عليه؛ لأنه خالف أمرًا معلومًا مشتهرًا، وهو أن المساجد ما بُنيت لهذا، وإنما بُنيت للصلاة وذكر الله.

(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد برقم (٥٦٨).

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد · الجزء ١ · الصفحة ١٤٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيدج ١ · ص ١٤٢