تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد أن حقق المسلمون بقيادة صلاح الدين انتصارهم العالمي، وحرروا بيت المقدس سنة 583 هـ - 1187م، خرّ ميتاً من هول الصدمة البابا أوربان الثالث، وخلفه البابا جريجوري الثامن وكان شيخاً كبيراً ولكنه سعى بكل جهده لشن حملة صليبية ثالثة على العالم الإسلامي, فأرسل خطاباً عاماً لنصارى أوروبا، ووعدهم فيه بالمغفرة الكاملة لجميع خطاياهم، وفرض عليهم صياماً في كل يوم جمعة على مدى خمس سنوات قادمة، وفرض عليهم ضريبة تقدر بـ10% من دخولهم عرفت باسم ضريبة صلاح الدين, والامتناع عن أكل اللحوم في أيام السبت والأربعاء من كل أسبوع، وقد أدى هذا الخطاب لحماسة جارفة عمت أنحاء أوروبا أسفرت عن الحملة الصليبية الثالثة والمعروفة باسم حملة الملوك.

· البابا أنوسنت الثالث:

تولي البابا أنوسنت الثالث كرسي البابوية سنة 1198م - 595 هـ وكان صغيراً نوعاً ما مقارنة لمن سبقوه من الباباوات، وهذا البابا أحدث تغيرات خطيرة وجذرية بمكانة كرسي البابوية أشبه ما يكون بجريجوري السابع، حيث كان يرى أن البابا يجب أن يكون صاحب سلطة روحية وزمانية أو نوعاً من القسيس الملك، ورفض أن يكون دور البابا منحصراً في مجرد الدعوة للحملات الصليبية، ومنح صكوك الغفران، بل يجب أن يكون الأمر كله تحت سيطرة البابوية، لذلك كان أنوسنت الثالث أكثر الباباوات محاربة للمسلمين وشناً للحملات الصليبية ضدهم، وهو أول من حول دفة الهجوم من الشام إلى مصر مركز الثقل في العالم الإسلامي وقتها، وبالفعل أثمرت جهود أنوسنت الثالث لشن الحملة الصليبية الرابعة وذلك سنة 600هـ - 1204م والتي تعتبر أفشل الحملات الصليبية؛ حيث توجهت للقسطنطينية عاصمة بيزنطة بدلاً من بلاد الإسلام وذلك بسبب العداء المذهبي بين البيزنطيين الأرثوذكس والفرنجة الكاثوليك.

ورغم هذا الفشل الذريع لأنوسنت الثالث في الحملة الرابعة إلا أنه عاد وأرسل حملة أخرى سنة 1216م - 612هـ, وقد اختار هذه السنة تحديداً بناءً على تفسيره المحرف لبعض نصوص الكتاب المحرف عندهم، حيث كان يفسر ما ورد في سفر الرؤيا من أن عدد سنوات عمر الوحش هو 666، والوحش في تفسيره هو الإسلام، وإذا كان ظهور الإسلام بحسابه سنة 622 ميلادية و666 تكون السنة التي توقع فيها نهاية الإسلام سنة 1288م؛ لذلك كان أنوسنت على يقين بأن حملته ستقرب المسلمين والإسلام من هذه النهاية, ولكنه سرعان ما هلك سنة 1216م قبل أن تتم الاستعدادات لهذه الحملة, وكان هلاكه بشرى كبيرة للمسلمين فإنه من أهم وأخطر الشخصيات التي تولت كرسي البابوية, وكان النصارى في أوروبا يقولون عنه: [إنه أدنى من الله وأعلى من البشر، قاضي القضاة الذي لا يقاضيه أحد].

· هونريوس الثالث:

وهو الذي خلف البابا أنوسنت الثالث، وسار على نهجه، واستكمل الدور الذي بدأه في شن الحملة الصليبية الخامسة على المسلمين, وتأكيداً لسياسة أنوسنت الثالث أرسل هونريوس مبعوثاً من طرفه هو الكاردينال البرتغالي 'بلاجيوس' لقيادة الحملة ليس فقط روحياً وإنما أيضاً عسكرياً وميدانياً, وكان بلاجيوس هذا تلميذاً نجيباً لأنوسنت الثالث يؤمن بكل مبادئه, ويفيض كراهية وكرهاً على المسلمين, شديد الإيمان بفكرة الحروب الصليبية, ولكنه كان لا يصلح بالمرة للقيادة العسكرية, فهو ضيق الأفق, عديم الخبرة, مستبد, مغرم بنفسه, شديد العناد, وهي خصال كلها كانت متوافرة في أستاذه أنوسنت, وأيضاً هي الخصال التي ستؤدي لفشل الحملة التي قادها على دمياط سنة 1221م - 618هـ.

· جريجوري التاسع:

وهذا البابا يعتبر تجسيداً حقيقياً وواضحاً عن النفسية البابوية المليئة بالحقد والكراهية للإسلام والمسلمين, ذلك أن أكبر ملوك أوروبا وقتها وهو الإمبراطور 'فريدريك الثانى' قد تلكّأ في الخروج لقتال المسلمين بسبب عدم اقتناعه بفكرة الحروب الصليبية بالكلية, ما حدا بالبابا أن يصدر مرسوماً بالحرمان الكنسي والطرد من الرحمة بحقه وذلك سنة 1227م - 624هـ, وأجبره على الخروج في حملة صليبية على بلاد الإسلام وهي الحملة السادسة, ولقد استطاع فريدريك أن يستولي على بيت المقدس عن طريق التفاوض مع ملك مصر الذليل الجبان 'محمد الكامل الأيوبي' وذلك من غير ضربة سيف واحدة, فما كان من جريجوري التاسع إلا أن أصدر قراراً ثانياً بحرمان فريدريك من الجنة! وأطلق عليه لقب الزنديق الأكبر, وقال كلمته الشهيرة والتي تعبر بصدق عن النفسية الحاقدة على الدين وأهله: "إن الملوك الصليبيين يذهبون لسفك دماء المسلمين وليس للتفاوض معهم"، وبعدها شنت البابوية حرباً لا هوادة فيها ضد أسرة فريدريك كلها وأبادتها بالكلية, ودبرت عدة محاولات لاغتيال فريدريك ولكنها باءت بالفشل وذلك كله لأن فريدريك رفض الانصياع لأوامر البابا في قتال المسلمين.

· أنوسنت الرابع:

وهو أول بابا في تاريخ البابوية يفكر في تشكيل حلف نصراني - وثني ضد العالم الإسلامي, وذلك عندما أرسل إلى خان المغول يعرض عليه مشروعاً شريراً لمحاربة العالم الإسلامي من الجهتين الشرقية والشمالية من أجل إبادة المسلمين بالكلية, وقد أوفد البابا الشرير من أجل استمالة المغول المئات من الأوروبيات الزانيات من أجل إغواء المغول كخليلات وعشيقات, وكان لهذا السلاح مفعول السحر خاصة أيام الطاغية هولاكو, ولكن هذه المحاولات ورغم كثرتها وتأثيرها الجزئي إلا أنها فشلت في النهاية بسبب إصرار الخان على خضوع البابا والأوروبيين له، ودفع الجزية السنوية له.

ولما فشلت مساعي أنوسنت الرابع اتجه نحو إعلان حرب صليبية جديدة على العالم الإسلامي كانت الأكبر والأفضل تنظيماً وتسليحاً وقيادة؛ إذ ندب لقيادة الحملة ملك فرنسا 'لويس التاسع'، وخلع عليه لقب قديس, وكان لويس التاسع شديد الإيمان بفكرة الحروب الصليبية ووجوب محاربة المسلمين وذلك سنة 1249م - 647 هـ، ولكن هذه الحملة كان مصيرها الفشل الذريع كسابقتها.

بعد ذلك عمت روح من الفتور في أرجاء أوروبا، وفقدت البابوية حماستها المتقدة, وانشغل الباباوات خلال هذه الفترة بمشاكلهم الداخلية مع قادة الدول الأوروبية، والصراع ضد أسرة الهوهنشتاوفن الألمانية والحركات الإلحادية في جنوب فرنسا، باستثناء المحاولات التي قام بها البابا كليمنت الرابع وخليفته نيكولاس الرابع من أجل تشكيل حلف بين المغول والصليبيين للتصدي لدولة المماليك القوية الآخذة في النمو والتمدد نحو الشام وحدود العراق وذلك سنة 1267م - 1274م.

وظل الأمر هكذا حتى ظهرت الدولة العثمانية في منطقة الأناضول وذلك في أوائل القرن الثامن الهجري وأواسط القرن الرابع عشر الميلادي.

· البابا كليمانس السادس:

وهو أول الباباوات دعوة لتكوين حلف صليبي مقدس ضد الدولة العثمانية الناشئة في آسيا الصغرى أو الأناضول وذلك سنة 1344م - 744 هـ, وكانت الاستجابة في بدايتها ضعيفة ومحدودة، ولكنها مع الوقت أخذت في التوسع والازدياد خاصة مع الحماسة الدينية المتأججة في قلوب ملوك قبرص التي أصبحت من أخطر البؤر الصليبية على الإسلام والمسلمين في هذه الفترة.

· البابا أوربان الخامس:

بابا الفاتيكان في الميزان · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بابا الفاتيكان في الميزانص ٩٩