ظل هذا التجاور في العبادة قرابة سبعين عاماً، وكان عدد المسلمين كما عدد سكان المدينة قد أصبح كبيراً خصوصاً وأن دمشق كانت عاصمة الخلافة الأموية، وكان التضايق من سماع النواقيس في المسجد يزعج المصلين، كما كان الآذان يزعج المصلين النصارى، وضاق المسجد بأهله فلم يعد عدد المصلين يتسع فيه. فلما كانت خلافة الوليد بن عبد الملك (1 شوال عام 86هـ ـ جمادى الثانية عام 96هـ) وجد الحاجة ملحة إلى إقامة جامع كبير، كما وجد في ذلك ما يليق بعظمة «الدولة» الأموية ويلائم حالة التطور الذي بلغه المجتمع الإسلامي.
فكرّ الوليد بضم هذه الكنيسة إلى المسجد، وقد كان الوليد باستطاعته أن يجبر النصارى على ذلك بالقوّة، لكنه في دين يحرّم ظلم الذّمي، وذي العهد، فلا يجيز له التعدّي ما لم ينقض العهد. وقد مرّ معنا في البداية كيف تم العقد، وكان الوليد يظّن وهو يفكّر في ذلك أن الكنيسة ليست من حق المسلمين، فمنذ استقرّت الشام للمسلمين، لم تُثر هذه القضية، ونسي المسلمون أنها كانت تدخل بالعهد إلى ملكهم.
ظنّه هذا جعله يدعو زعماء النصارى، ويعرض عليهم التنازل عنها مقابل أن يبني لهم بدلاً منها كنيسةً أعظم منها، فأبوا، فعرض عليهم أن يبني لهم أربع كنائس ويعطيهم أموالاً كثيرة، فأبوا، وقالوا نتمسّك بالعهد الذي كان بيننا وبينكم، فقال لهم إن العهد لا يجيز لكم بناء كنائس جديدة، وأنتم خالفتم العهد وأحدثتم كنائس جديدة، لم يكن في المعاهدة بناؤها، فأنا أهدمها، وعزم على ذلك، ولكنه كان بذلك يهددهم بالالتزام بالعهد، ولو هدمها لم تنفعه شيئاً في التوسيع، وهكذا أصبح الوليد مهموماً، وهو لا يملك في دين الإسلام أن يجبرهم على التنازل عنها.
دخل عليه أخوه المغيرة، فوجده على حاله هذه، فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟ فخبّره، بما حدث، فقال أخرج العهد، فانظره ، كان يريد أن يجد في العقد ما عسى يحلّ له المشكلة، فلما أخرج العهد فنظر إليه، وجد أن القسم المفتوح عنوة من دمشق يمتدُّ إلى آخر الكنيسة، وذلك يعني أنها حق للمسلمين بنصِّ العهد.! (وهذا ما تجمع عليه الروايات التاريخية العربية). عندئذٍ ألف الوليد لجنةً مشتركة من المسلمين والمسيحيين لتقوم بمسح الأرض التي تدخل في العهد حقاً للمسلمين، فظهر أن الكنيسة كلّها من حق المسلمين، وأنها تدخل في المسجد!.
عاد الزعماء إلى الوليد فقالوا: يا أمير المؤمنين، كنت أقطعتنا أربع كنائس، وعرضت علينا من المال كذا وكذا.. فإن رأيت أن تتفضّل به علينا. امتنع الوليد أولاً، فهو ليس ملزماً إلاّ بنص العهد الذي احتكموا إليه، وبناءً على طلبهم. غير أن الوليد ما لبث أن جبر خواطرهم فأعطاهم الكنائس الأربع، وبنى لهم كنيسة ماريوحنّا الكبرى.
وهدمت الكنيسة، وشارك في هدمها عمال من اليهود، لا حباً في المسلمين، ولكن كرهاً في النصارى المسيحيين، كما يقول الشيخ علي الطنطاوي . ويروي ياقوت الحموي (صاحب كتاب «معجم البلدان») أنه تم نقضُ الحيطان وإعادة بناءها على أساسٍ جديد، فحفر له حتى بلغ الماء. ويبدو أن كلام ياقوت الحموي صحيح ولكن في جدران الكنيسة والمسجد الداخلية، فما تزال الجدران الخارجية جدران المعبد الوثني «جوبيتير» بكل تأكيد.
ويشير البعض إلى أن ما تم هدمه هو كل الجدران الداخلية للمعبد التي تتضمن فيما تتضمنه منشآت رومانية وبيزنطية.
وروي أن إمبراطور القسطنطينية سمع بذلك، وأراد أن يصرف الوليد عن عمارة المسجد، فكتب إليه: «إن كان هدم الكنيسة حقاً وصلاحاً، ولم يفعله أبوك، إنه لوصمةٌ عليك» فلما ورد الكتاب على الوليد، قعدَ يفكّر في جوابه، فدخل عليه الفرزدق، الشاعر المعروف، فقال له: جوابه حاضر يا أمير المؤمنين، قوله تعالى ﴿ففهمناها سليمان، وكلاً آتينا حكماً وعلماً﴾، أي أنها من فهم وعلم الوليد الذي يوازي فهم وعلم والده عبد الملك، وكل له رأيه.
ويروي ابن الفضل العمري (ولد سنة 700هـ) أن الوليد تصالح أيضاً مع ملك القسطنطينية على «دية»، فصالحهم عليه بنصف كنيسة مريم التي كان معروفاً أنها تدخل بالعهد في حق المسلمين.
إذا كان هذا شأن التاريخ الذي يشير إليه المسجد العظيم، فإنه بات واضحاً أن زيارة البابا، وإصراره على هذه الزيارة للمسجد تريد إحياء ذكرى الكنيسة التي كانت قبل أن تضم إلى الجامع، وهو بهذا يذكي روح طائفية لا يعيشها أهل الشام ولم يذكر في تاريخهم أنهم عاشوها.
وبالتالي فهذه الزيارة تحمل غايات مبيتة غير حسنة، بالرغم من أن ظاهر الزيارة ليست إلاّ زيارة قبر «يوحنا المعمدان» (قبر نبي الله يحيى بن زكريا)، هذا في وقت تتصاعد نقمة المسيحيّون الموارنة في لبنان عبر زعيمهم الديني البطريرك (نصر الله صفير) على الوجود السوري في لبنان ، الأمر الذي يهدد باشتعال أزمة طائفية لا يُعرف نهايتها ونرجو الله أن لا تحدث.
على كل حال شعر المسؤولون السوريون بالحرج من هذه المسألة، وخصوصاً أن البابا (كما قيل) سوف يقيم موكباً احتفالياً ضخماً، وصلاةً «هائلةً»، وطقوساً ضخمة في حرم الجامع، ولا يغيب عن المسلمين ولا على المسؤولين السوريين المسلمين ثقل هذه الزيارة التي تمثل اقتحاماً تاريخياً لحرمة المسجد، تحيي معها ذاكرة مهترئة منذ مئات السنين تقول إن في المسجد كنيسة ضمت إليه، أو ربما يقال تضخيماً (في الأوساط الإلكيريكية) إن المسجد كان كنيسةً.
لقد لفت الأنظار أن ثمة نشاطاً مسيحياً حول «حوار الأديان» و«الإخاء الديني» بدأ ينتشر منذ نصف عقد في المدن السورية، وقد تصاعد بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، مما يعني أن ثمة إعداداً طويل المدى لهذا «الاقتحام»، الذي سيقوم به البابا للمسجد، في محاولة «لتمرير» الزيارة على المسلمين دون ضجّة.
حرج السوريين بدا واضحاً، أو ربما ( أقول ربما ) كان كذلك تخوف المسيحيين من عدم قبول هذه الشكلية المهولة للزيارة، حين عولج هذا الاقتحام باعتماد الشيخ كفتارو (مفتي سورية) ليقوم بصلاة مشتركة (لا نعرف كيف هي؟!) ترطيباً للأجواء، وتغطيتها بغطاء «التسامح الديني» عولج خطأً.
في (15/ آذار) الجاري نقلت صحيفة الثورة استقبال وزير الإعلام محمد عمران لوكيل بطريركية الروم الكاثوليك، وفي الخبر ، الإعلان عن أن البابا لن يقيم صلاةً جماعية، وأنه سوف يزور المسجد «كمعلم تاريخي» وحسب، في زيارةٍ صامتة.
لقد كان هذا الخبر ساراً بعض الشيء، وقد وضح أن تصريحات وكيل البطريريكية لم تعد صحيحة على الأقل، إن لم تكن في «الأصل» غير صحيحة. كما أنها أكّدت أنها من بنات خيال الزعماء الدينيين، وأن السياسيين هنا في سوريا على وعي بخطورة هذا «الخيال» فيما لو صار واقعاً!.
إضافة إلى ذلك الخبر المذكور في صحيفة الثورة الرسمية، فإن الخبر نفسه يتضمن أن «البابا» عندما يزور المسجد سيكون في لقائه عدد من الشيوخ وعلماء الشام، سيلتقون معه في صحن الجامع!.