وهكذا قضى السوريون كغيرهم أيام الزيارة في تأويل الزيارة وفك ألغازها.
وكان السؤالان الملحان دوماً هما:
- هل سيعتذر البابا عن الحروب الصليبية أمام قبر صلاح الدين؟
- هل سيدين البابا الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين؟
هدف سياسي أولاً:
في كلمته التي ألقاها الأسد في قاعة كبار الزوار في مطار دمشق الدولي، أشار إلى " الوحدة الوطنية " في سوريا، وروح التسامح والسلام في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين قائلاً له: " إنكم وأنتم تزورون سورية تطئون أرض التاريخ، والوطن الذي احتضن أقدم حضارات العالم، وكان منارةً من منارات المعرفة، أضاءت للبشرية خلال قرون كثيرة، كان العالم خلالها، في معظم بقاعه، يسترشد بنورها.
ومن سورية، التي حمت الديانة المسيحية بعد المسيح، انطلق القديس بولس حاملاً مع تلامذة المسيح الآخرين الدين الجديد إلى العالم، مبشراً بالأخوة والعدالة والمساواة. ومن سورية انتشر الإسلام إلى العالم داعياً إلى العدالة والمحبة والمساواة بين الناس، فلا يتميّز أحد عن الآخر إلاّ بالتقوى.
وأنتم اليوم تحلون ضيفاً على شعب يعبد جميع أفراده الإله الواحد ويستمدون العون منه، سبحانه وتعالى، ويعيشون متحابين.. يشهد على ذلك.. جلوس ثمانية باباوات من أبناء سورية على الكرسي البابوي في الفاتيكان، ووجود ثلاثة مقرات بطريركية مشرقية في دمشق " وسرعان ما توجه الحديث إلى المسألة السياسية الأكثر إلحاحاً وهي قضية السلام في الشرق الأوسط قائلاً :
" أنتم يا صاحب القداسة، تجسدون بوجودكم على الكرسي البابوي في روما قمة المسؤولية في الحفاظ على هذه القيم، خاصة وأن هناك من يسعى دائماً لتكرار رحلة الآلام والعذاب مع كل الناس؛ فنرى إخوتنا في فلسطين يقتلون ويعذبون، ونرى أن العدل ينتهك: فتحتل أراضٍ في لبنان والجولان وفلسطين. ونسمعهم يقتلون مبدأ المساواة عندما يتحدثون عن أن الله خلق شعباً متميّزاً عن الشعوب الأخرى، ونراهم يعتدون على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في فلسطين، فينتهكون حرمة المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة في القدس، وكنيسة المهد في بيت لحم. وهم يحاولون قتل مبادئ الديانات السماوية بنفس العقلية التي تمت بها خيانة السيد المسيح وتعذيبه، وبنفس الطريقة التي حاولوا بها أن يغدروا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ".
(…) من هنا نقول : إننا متمسكون بالسلام العادل والشامل الذي يعيد الأرض إلى أصحابها حسب قرارات مجلس الأمن وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، فحقوقنا تقرها لنا الشرائع السماوية والتاريخية والقرارات الدولية " .
إذاً إن ما يريده المسؤولون من زيارة البابا كهدف " سياسي "، يتلخص في:
- التأكيد على أن سوريا وطن سلام ومحبة في مقابل الوحشية الإسرائيلية وعدوانيتها وعنصريتها.
- التأكيد على أن سوريا هي داعية السلام، وأن السلام في الشرق الأوسط لا يمرّ إلاّ من هنا.
- كسب البابا في إدانة إسرائيل، وهذا ما يشير إليه حديث الأسد " إننا.. نقدر جهودكم من أجل خير الإنسانية ونشر المحبة بين الناس، ودفاعكم عن المظلومين ، ونشعر أنكم في صلواتكم التي تتذكرون فيها عذاب السيد المسيح ستتذكرون أن هناك شعباً في لبنان والجولان وفلسطين يتعذب ويعاني من القهر والاضطهاد، ونتوقع منكم أن تقفوا إلى جانبهم ضد الظالمين لاستعادة ما سلب منهم على وجه الحق " .
في كلمته (في حفل الاستقبال) حاول البابا التأكيد على دور سوريا في الحضارات الإنسانية، وقال أنه جاء " كحاجٍّ مؤمن، مواصلاً الحج اليوبيلي (...) اليوم أكمل هذا الحج هنا في سورية في دمشق " .
وقد بدأ حج البابا ـ كما يقول ـ بمناسبة " عيد الألفين لميلاد المسيح.. الآن يتجه فكري وقلبي إلى شخص شاوول الطرسوسي ؛ الرسول العظيم بولس، الذي تغيّرت حياته للأبد على طريق دمشق " .
وقد كان البابا ذكياً في الإشارة إلى المسلمين: " يتجه فكري أيضاً إلى التأثير الثقافي العظيم الذي قام به الإسلام في سوريا... هناك حاجة إلى روح جديدة للحوار والتعاون بين المسيحيين والمسلمين " وكما هو واضح كانت إشارة إلى " العيش المشترك " الذي يمثل الهدف الأساسي في " حوار الأديان " (الحوار المسيحي الإسلامي).
واللافت في حديث البابا أنه لم يذكر إسرائيل، ولم يدن أعمال القتل والتدمير الذي تقوم به تجاه شعبنا الفلسطيني، ولكنه دعا إلى " نبذ العنف" والعودة إلى مبادئ " الشرعية الدولية " وأهمها " منع أخذ الأراضي بالقوة، حق الشعوب بتقرير المصير، احترام مقررات هيئة الأمم المتحدة" ، وأكّد أن سوريا لن تألو جهداً من أجل " سلام المنطقة ".
إن ما تريده سوريا سياسياً من البابا، أعلن منذ البداية، كما قدّم البابا لها " أكثر ما يستطيعه".
وختم البابا كلمته قائلاً: " إن الدعوة الكريمة التي وجهتموها إلي، مع حكومتكم وشعبكم السوري، ..." وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه، بأن زيارة البابا كانت بدعوة من " سوريا " وبالتالي كانت زيارة المسجد الأموي من الشروط التي قدمها البابا، و" اضطرت " سوريا ـ ربما ـ لقبولها مقابل المكسب السياسي.
في برنامج الزيارة:
في ختام يومه الأول زار البابا كاتدرائية الروم الأرثوذكس " المريمية " بدمشق، وهي أقدم كنيسة في سوريا ، وفيها دفن رأس يوحنا المعمدان حسب الروم الأرثوذكس ، حيث رعى قداساً أقيم فيها، بحضور بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ما يجب الانتباه إليه أن هذه الزيارة كانت بداية البرنامج، وهذا له دلالته إذا تذكرنا أن البابا قدم من " أثينا " (اليونان) بعدما طلب البابا هنا (قبل يوم من قدومه) الصفح من الأرثوذكس باسم الكاثوليك عن الذين ارتكبوا أخطاء حيال الأرثوذكس " حسب تعبيره " أمام " الحبر الأعظم المونسنيور كريستودولوس رئيس الكنيسة الأرثوذكسية " ، وكان البابا يعني بذلك حسب الكنيسة الأرثوذكسية " الحروب الصليبية " التي استهدفت فيما استهدفت " الأرثوذكس " أنفسهم!
وبالمناسبة فإن بطريرك موسكو وعموم روسيا للروم الأرثوذكس " الكسي الثاني " استقبل طلب الصفح بفتور، وشكك في " صدق " الطلب، وقال: " يجب أن ننظر إلى هذا التصريح في إطاره، أولاً كان الصفح يتعلق... أساساً بالحروب الصليبية، ويجب أن نرى كيف سيتحول طلب الصفح إلى أفعال " ، وهو يقصد بذلك الاضطهاد الذي يعانيه الأرثوذكس في كثير من البلدان من قبل الكاثوليك الشرقيين. ويتهم البطريرك الكنيسة الكاثوليكية بالقيام بـ " التبشير " في المناطق الأرثوذكسية تقليدياً ، فيما أعلن كريستودولوس (اليوناني) المذكور أن " الجراح " التي سببتها الكنيسة الكاثوليكية للكنيسة الأرثوذكسية " لا تزال مفتوحةً حتى اليوم "(صحيفة الشرق، بيروت، عدد 15617، 8 أيار 2001م).
إذاً فقد كانت زيارته لتأكيد رغبة الكنيسة الكاثوليكية بالتقارب من الأرثوذكس ولكن الغريب أنه لم يؤكد طلب الصفح من الأرثوذكس في زيارته للكنيسة في كلمته التي تناقلتها الصحف. ويبقى هذا سؤالاً يحتاج للإجابة؛ خصوصاً وأنه يرتبط بالقضية نفسها: أعني " الحروب الصليبية " .
زيارة المسجد الأموي: