ثم ثالثة الأثافي أتت في طيّات الوثيقة أن 'المسيح كان يهودياً، وسيبقى يهودياً'..
وهكذا تمضي عشرون عاماً على البابا في أحضان الفاتيكان، لا تردّه عن أصل يؤمن به لا يفارقه وإن غادر التشيك إلى جمهورية الكرادلة..
المحطة الثالثة من حياة كارلو فوتييلا، تلك التي تنقلنا لمشهده وهو يتوّج 'حبراً أعظماً'- كأحد أصغر من يتولون المنصب (58 عاماً حينذاك)- على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام 1979، بعد أن مات البابا السابق يوحنا بولس الأول -ميتة ياسر عرفات- بعد شهر واحد من اعتلائه منصبه الخطير وبدون مرض خطير!! حينها وجد كارلو الطريق إلى رأس الفاتيكان معبّداً، وتولّى الرجل منصبه، وكانت إحدى فاتحات شهية الباحثين في وضعه المثير للجدل بشكل واسع، هو تفرد كارلو من حيث كونه الأول منذ خمسة قرون الذي يعتلي سدّة الكهانة في الفاتيكان من خارج إيطاليا. وقد بدأ الرجل من فوره العمل على ثلاثة محاور هي الأبرز من محاور تحركاته:
الأول: ترسيخ الاختراق اليهودي للفاتيكان:
وتدجين الكنيسة الكاثوليكية مثلما دُجِّنَت الكنيسة الإنجيلية، ومد أواصر الصداقة الدينية والسياسية مع 'إسرائيل'.
'لو كان المسيح - عليه السلام - يهوديا؛ فإنه لشرف عظيم لبابا روما أن يكون يهوديا هو أيضا'، قال البابا، وزاد: 'إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون، وهم بحق الشقيق الأكبر'..
إن البابا الذي لم يكن قد مضى على مكوثه في منصبه أكثر من ثلاث سنوات حتى أفاض من 'كرمه' على اليهود، فاعترف بـ'دولة إسرائيل' في العام 1982 (عام الاجتياح والمذابح الصهيونية الرهيبة في لبنان)، لم تخل نصائحه في كتاب تعليماته لـ'المسيحيين' أن يحبوا اليهود لأنهم شعب المسيح (اليهودي بالطبع وفقاً للبابا البولندي الجنسية)، أولئك الذين أحاطهم البابا بـ'مكرمة' زيارته لكنيسهم في روما وصلاته فيه وسط ذهول 'مسيحي' الكنيسة الشرقية بعد ذلك بأربع سنوات، ثم توجيهه اللوم أخيراً قبل عامين من الألفية الثالثة لأتباعه المتسببين في ما يقال عن الهولوكوست اليهودي الذي ينسب للنازي إقامته لليهود.
الثاني: العمل على تفكيك الاتحاد السوفيتي:
آخر كتب البابا 'الذاكرة والهوية' الذي يلقى الآن رواجاً كبيراً بسبب الحالة الصحية للبابا، أماط فيه اللثام عن قناعته الشخصية بأن التركي محمد على أغا الذي حاول اغتياله أوائل الثمانينات لم يتصرف من تلقاء نفسه، معبّراً عن اعتقاده بأن الكتلة الشيوعية السابقة ربما كانت وراء مؤامرة محاولة اغتياله.
لماذا تقدم تلك الكتلة على محاولة اغتياله؟ الجواب ليس عند البابا، وإنما لدى العديد من خبراء السياسة الأوروبية الذين يكادون يجمعون على علاقة سرية باتت معلومة لدى قطاع عريض من الخبراء، تجمع ما بين يوحنا بولس وجهاز الاستخبارات الأمريكي، جرى تفعيلها مبكراً، وبدت أول نتائجها في الزيارة التي قام بها كارلو في العام 1978 لبلده الثاني بولندة، داقّاً هناك أولى مسامير الكنيسة الكاثوليكية في نعش الشيوعية.
والخطة كانت محكمة؛ بولندة ذات الثمانية والثلاثين مليون نسمة -هم الأكثر كثافة سكانية بين دول أوربا الشرقية، مقر حلف وارسو، قاعدة اليهود الخلفية في أوربا ومفرزة الزعماء الصهاينة-، من هناك تحرك البابا، ومن هناك أطلق عباراته النارية: 'إن المسيح لا يقبل أن يكون الإنسان أداة إنتاج فقط، فعلى العامل ورب العمل والدولة والكنيسة نفسها أن يتذكروا أنه لا يمكن فصل المسيح عن عمل الإنسان'، فلتعوا الدرس أتباع منظمة تضامن 'ليخ فاونسا' الزعيم العمالي المثير للجدل، والذي أضحى بعدُ زعيماً لبلاده كلها:
إن المسيح يحارب الشيوعية، لا تكونوا اشتراكيين، نفهم من الكاهن الأكبر..
الجموع المحتشدة لم تأكل من عزيمتها و'إيمانها' السنون: 'نريد الله في مدارسنا، نريد الله في منازلنا، الله هو ربنا'..
البابا السابق المسموم كان نصيراً للعمال والفلاحين، لم يكن مناسباً للمرحلة فلفظته المرحلة والحياة على حد سواء، ذاك كارلو أنضج فكراً وأنسب للمرحلة بجذوره الشرقية العريقة وتطلعاته نحو الديمقراطية. وعلى ذكر الديمقراطية؛ فتلك ليست تدخلاً من الكهنوت في الدنيا ولا تنطبق عليها 'دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله'، وإنما: 'إن على الكنيسة مشاركة الشعب في كفاحه من أجل الديموقراطية'، قال البابا..
فالديمقراطية إذن ليست نظرية سياسية تجعل للكنيسة سلطاناً سياسياً، هكذا أريد للكاثوليكية في تلك اللحظة أن تنطق، ليأتي بعدها الرئيس الأمريكي لـ'يبشر' العالم بالديمقراطية، ويعطف على كلام البابا الكاثوليكي كلام رهبان البيت الأبيض البروتستانتيين، حين بدا الحيز الفكري بينهما ضيقاً بـ'فضل' البابا الذي جمع الشمل كلٌ في 'حب إسرائيل'. (للتذكرة فقط، فالبابا جاء متزامناً مع انتخاب رونالد ريجان اليميني رئيساً للولايات المتحدة).
البابا ليس كشيخ الأزهر -الذي يتمنى على الله أن يمن على الأول بالشفاء-، له دور سياسي عملاق، ألم تر إلى المذيع بالتليفزيون الأمريكي حين قال متحدثاً عن 'معجزات' البابا: 'في سنة واحدة أسقط عيدي أمين، وأحل حاكماً مسيحياً محله وأسقط بوكاسا الحاكم الإفريقي المسيحي الذي تجرأ واعتنق الإسلام، أسقطته قوات أكبر دولة كاثوليكية في العالم'..
ودور الرجل في تقويض أركان الشيوعية لا ينكر، تحدث -كما ذكرنا آنفاً- عنه كثير من المحللين والكتاب، منهم صاحبا كتاب ' صاحب القداسة' الإيطاليان اللذان أثبتا فيه العلاقة المريبة التي تربط هذا الرجل بجهاز رحمه الله.I.A.
بيد أننا نعطف بتلك الحادثة المريبة التي تدل على حماسة الرجل ضد الشيوعية والاشتراكية، وهي بعيدة لكنها قريبة المعنى، في نيكاراجوا حيث تورط كاردينال كاثوليكي في الانخراط في حكومة شيوعية كوزير للثقافة، عندها لما زاره البابا لم يكترث بتوسلات الكاردينال آرنست التي أبدى فيها ولاءه للكنيسة، لكن 'الحبر الأعظم' بكل 'سماحة' وبّخه وأهانه أمام عدسات التلفزة، معنّفاً له على تورطه في حكومة شيوعية (لعل المشهد هذا في 'تسامحه الديني' يشابه ما أثبتته الصحافة المصرية شبه الرسمية لشيخ الأزهر وهو يصفع أحد الحضور لخطبة الجمعة التي كان يلقيها بالجامع لما اعترض عليه!!)..
وإذا بعدنا عن الشيوعية ودور البابا، لمسنا تدخّلاً استخبارياً لافتاً للبابا في الشرق الأوسط، وثّقه تقرير هام للمركز الإعلامي الفلسطيني من بيت لحم، جاء فيه: 'من المثير أنّ البابا يوحنا بولس السادس، يملك أحد أكبر أجهزة جمع المعلومات في الأراضي الفلسطينية، حيث تزوّد الكنائس الكاثوليكية بشكلٍ يوميّ الفاتيكان بأحداث الأراضي الفلسطينية و بشكلٍ تفصيليّ، و إن كان لا يعرف من يستفيد من هذه المعلومات و تحليلها في النهاية'. وإن كان التقرير لا يدّعي علمه بالجهة المستفيدة، فإنه على أفضل الأحوال حين يكون الفاتيكان مستقلاً، فإنه حينئذ يعد من الجهات الاستخبارية، وإلا عُدَّ -على أسوأ الفروض- من توابعها 'الاستعمارية'..
الثالث: تحريك قوافل التنصير بأسرع وتيرة شهدتها الكنيسة من أيام الاحتلال المباشر في القرنين المنصرمين: