# بالروح وانبتوا مما وراء المادة. وأما هؤلاء المشرقيون، من الهنود وأمثالهم، فساروا على الضد وأهملوا الجسم وعاشوا للروح، فظنوا بأن غاية الحياة الفناء في المطمح الروحي، فقتلوا أجسامهم وأعرضوا عن دنياهم، وأغرقوا أعمارهم في تأمل لا أول له ولا آخر، ولا جدا منه ولا منفعة. أما الفلاسفة فكان منهم الماديون الذين بلغ من رقاعتهم أن أنكروا الروح إنكارا وجحدوا الله، وقال متكلمهم: إن الدماغ يفرز الفكر كما تفرز الكبد الصفراء. فجعل الفكر مادة سائلة! ومنهم الروحيون الذين كانوا أصح نظرا وأدنى إلى الحق، ولكنهم لم يصلوا إليه، تساءلوا منذ بدؤوا يفكرون: لماذا نعيش؟ ولا يزالون مختلفين يتساءلون هذا السؤال الذي عرف المسلمون وحدهم جوابه حين قرؤوا قول الله الذي أنزله على عبده ورسوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
استدل المسلمون بالمخلوق على الخالق، وأرشدهم الله إلى عظمة هذا الكون (المكون) فعرفوا منها ما لم يعرفه أصحاب الفلك من العلماء الماديين. غاية ما يعرف هؤلاء أن بيننا وبين الشمس كذا وأنها أكبر من أرضنا هذه بكذا، وما بين مشرق نجم منها ومغربه أضعاف أضعاف ما بين الشمس والأرض، وغاب عنهم ما بعد من النجوم ووقفت دون رؤيته نظاراتهم ومكبراتهم وعجزت عن الإحاطة به عقولهم وتصوراتهم، فسموه فضاء غير متناه. كما يظن الطفل أن البحر لا ينتهي وليس له آخر! وهل شيء ليس له آخر إلا من هو الأول والآخر؟
* * *