تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# علي أرى فيها صورة بلدي دمشق، فلا أرى إلا بريق الشعاع الحاد يتكسر خلال الدموع التي تملأ عيني، دموع ابن العشرين وقد هاج في نفسه الشوق الذي يسميه لامرتين «مرض السماء» ... لو كان في السماء أمراض! وصورة حديقة الجيزة التي كنت أقضي فيها الساعات الطوال، آنس بوحوشها وهوامها، وصورة بستان إلى جانبها فيه عمال يبنون. قالوا: وقد تم البناء وصار شيئا عظيما يدعى جامعة فؤاد الأول، والله أعلم بصحة ما قالوا.

صدقوني إذا قلت لكم إني لم آسف على شيء -مما صنعت في حياتي أو تركت- أسفي على ترك مصر، ولا أطمع في شيء طمعي في العودة إليها والحياة فيها؛ فهي التي سددت خطواتي في طريق الأدب، وهي التي علمتني، وهي بلد أسرتي، وهي التي جعلتني -قبل اثنتي عشرة سنة- أكتب وأنشر الفصول في أكرم المجلات، حين كان هؤلاء المحترمون من تلاميذ «الشيخ مارسيه» على مقاعد المدرسة الابتدائية!

أفليس عجيبا أني -على حبي لمصر- كنت في نظر بعض زملائنا المدرسين المصريين في العراق عدو المصريين رقم (1)؟ سامح الله زملاءنا هؤلاء وغفر لهم ما كادوا لي ومكروا بي، وغفر لي ما آذيتهم بلساني السليط (¬1).

:

(¬1) خبر هذا المرض في الحلقة 104 من «ذكريات علي الطنطاوي» (ج 4 ص 66 وما بعدها)، وانظر مقالة «بعد المرض» التي ستأتي في هذا الكتاب (مجاهد).

من حديث النفس · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من حديث النفسص ١٢٤