تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# بهذه البقاع التي يصفها وأثارت في نفسي عوالم من الذكريات والآمال والخواطر، فإذا أنا أجدها كلها وأجد أكثر منها في كتاب هيكل.

* * *

يا رحمة الله على تلك الأيام! أيام كنت أغلق فيها بابي علي، ثم أقبل على كتبي أجالس فيها العلماء والأدباء وأجد في حديثهم الصامت لذة ومتاعا. كنت أقرأ لأني كنت أجهل الحياة، فلما عرفتها لم أعد أطيق قراءة ولا بحثا. ولماذا أقرأ؟ ولماذا أتعلم؟ ولماذا أكون فاضلا؟ والحياة حرب على أهل العلم والفضل، والناس كالحياة لأنهم أبناؤها وتلاميذها!

ألا يحيا الكاذب المنافق سعيدا موقرا ويموت الصادق الشريف فقيرا محتقرا؟ ألا يصدق الناس الشيخ المشعوذ لأنه يدخل إلى نفوسهم من باب الدين ويكذبون العالم الفاضل؟ أليس طريق الشعبذة (¬1) وادعاء الكرامات والمخرقة على الناس بعلم أسرار الحروف واستحضار المردة واستخراج الجن من أجسام بني آدم، آثر عند عامة الناس من العلم الصحيح والأدب المحض؟ ألا يتمتع هذا اللص بالثقة التي لا يحلم بها عالم متخصص أو باحث مدقق، وتنهال على يده الأموال وتزدحم على يده الشفاه؟ ألا يبلغ المنافق ذو الوجهين أعلى المراتب وأسماها ويبقى الصادق الشريف في الحضيض؟ ألا يركب الجاهل السيارة الفخمة ويسكن

:

(¬1) «آلام فرتر» لغوتة و «رفائيل» للامارتين، ترجم كليهما عن الفرنسية أديب العربية وصاحب الرسالة: أحمد حسن الزيات. و «سيد قريش» في ثلاثة أجزاء و «عمر بن الخطاب» في جزأين لمعروف الأرناؤوط، ولجدي وصف له في غاية الطرافة في الحلقة 35 في «الذكريات»، قال: "ولما شرع يؤلف «سيد قريش» لم يكن قد جدد دراسته للتاريخ، فكان مستشاره الحاج (فلان)، وهو رجل قرأ في زمانه التاريخ ونسيه، ثم نسي أنه نسيه ... "، إلى آخر المقالة. (انظر الذكريات: 2/ 5 وما بعدها) (مجاهد).

(¬2) ثم رأيت ذلك كله عبثا، وأن النافع ما نفعك في آخرتك.

من حديث النفس · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من حديث النفسص ١٠٣