تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من الممكن أن يقول الله عزّ وجلّ له: ﴿أَلْقِهَا﴾ دون أن يناديَهُ ﴿يامُوسَى﴾.

لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةٌ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ عزّ وجلّ، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى عليه السلام.

***

المثال الثالث:

في قصّة إبراهيم عليه السّلام وتحطيمه أصنام القوم التي كانت على أشكال الناس، إلاَّ كبيراً لهم، وذلك حين خرج القوم من بلدتهم لعيدٍ لهم ولم يخرج معهم إبراهيم عليه السلام، جاء فيها بيانُ سؤال قومه له عمّن حطّم أصنامهم، فأجابهم عليه السلام جواباً فيه تعريض بغباوتهم، إذْ ذَكَرَ في كلامه ما يُمْكن فَهْمُه لو حذفه، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء):

﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَاذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُو ا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَاذَا بِآلِهَتِنَا ياإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَاذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يِنْطِقُونَ (63)﴾.

لَقَدْ كَان يكفي أن يقول لهم: "بل فعله كبيرهم" أو يقول لهم: "بل فعله هذا" لكنّه شعر أنّهم أغبياء إذْ يُدَافِعونَ عن آلهتهم من الأصنام التي حُطِّمَتْ ولم تستطعْ أن تُدَافع عن أَنْفُسِها، ولم يُقْنِعهم تحطيمها بأنّها لو كانت تملك لأنفسها أو لغيرها نفعاً أو ضرّاً لحمت أنفسها من التحطيم، ولمنَعتْ مُحَطِّمَها من أن يجعلَهَا جُذاذا.

ومن كان يمثل هذا الغباء فإنّه يُناسبُه أن لا يُحْذَفَ له من الكلام ما يُمْكن أن يفهمه أقَلُّ النَاس ذكاءً وإدراكاً لدلالات القول.

***

***

المثال الرابع:

قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم" في معلقته يفاخر بقومه فيكرّر المسند إليه فيقول "وأنّا" مع كلّ منقبة يَصِفُ بها قومه:

*وَقَدْ عَلِمَ الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ * إِذَا قُبَبٌ بأَبْطَحِهَا بُنِينَا*

*بِأَنَّا الْمُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا * وَأَنَّا الْمُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا*

*وأنَّا الْمَانِعُونَ إِذَا أَرَدْنَا * وأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا*

*وأنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا * وأنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا*

وأنَّا الْعَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا * وأنَّا الْعَازِمُونَ إِذَا عُصِنَا*

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا الْمَاءَ صَفْواً * وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينَا*

قُبَب: جمع قُبَّة، وهي بناءٌ معروف، وقد تكون من بيوت العَرَبَ الرُّحّل من الأقْمشَةِ والجلود.

ومن هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه وسلم مفاخراً في إحدى الغزوات: أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابْنُ عَبْدِالمطلّب.

***

***

المثال الخامس:

يحرّك الله عزّ وجلّ في أهل القرى،: الذين كذّبوا رُسل رَبّهم المخاوف من مفاجأة نقمة الله وعذابه ليلاً أو نهاراً، فيقدّم لهم التنبيهات المتتابعات، مع تكرير ما يمكن أن يُفْهَم لو حذف، فهي تحتاج إلى دقّاتٍ متواليات كدقَات الناقوس، أو

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ٧٦