تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا تَبْدُو لنا ميزةٌ خاصّةٌ لاسم الموصول لا تُوجَد في غيره، ويُضاف إلى هذه الميزة أنّ صلة الموصول قد تتضمَّن مع التعريف بالمدلول عليه به بياناً لمعانٍ مُهمَّةٍ تُؤَدَّى بكلام تامّ يَقْصِدُ المتكلّم بيانها، مع صياغتها في إطار مفردٍ هو جزء جملة، وييَقْصِدُ توصيلَها إلى من يُوجِّه له الكلام.

أمّا الدواعي البلاغيّة الخاصّة الّتي تدعو المتكلّم البليغ إلى استخدام اسم الموصول في كلامه، للتعريف بالعنصر الاسمي من عناصر أركان جملته، فهي الّتي اهتمَّ البلاغيون بالتنبيه على ما اكتشفوه منها.

وقد ذكر البلاغيُّونَ طائفةً من الدواعي البلاغيَّة لاختار اسم الموصول مِنْ ضِمْن البدائل التي تصلُح لأن تستخدم في موقعه من الجملة، دون أن يكون ما ذكروه منها حاصراً لكلّ الدواعي التي تتفَتَّقُ عنْها قرائح أذكياء البلغاء.

ومع تجاوز التقيّد بحدود المسند والمسند إليه تظهر لنا الدواعي التالية:

***

الداعي الأول: أَنْ لا يكون لدى منْ يتلقَّى الكلامَ عِلْمٌ بشيءٍ من المعرّفات التي تعرّف العنصر الاسميّ، أو تميّزه في الجملة عن غيره، إلاَّ اتّصافه بما دلَّت عليه صلة الموصول، فيكون اختيار الاسم الموصول في هذه الحالة أمراً لازماً لتحقيق البيان الذي يستدعيه الكلام.

كأن لا يعرف عنه المخاطب غير أنّه اشترى منه خروفاً يوم الجمعة، فيقول له ابنُه مثلاً: يا أبي جاء الذي اشتريتَ منه الخروف يوم الجمعة يُطالِبُ بباقي ثمن الخروف.

ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في عرض قصة موسى عليه السلام في سورة (القصص) بشأن الإِسرائيلي الذي استنصره في مصر فنصره على القطبي: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)﴾.

فمُتلَقُّو هذه القصة وتالوها لا يَعْرِفُونَ عن هذا الرجل غير ما جاء في سِبَاقِ القصة من أنّه استنصر موسى بالأمس فنَصَرَهُ، فوكَزَ مُوسَى الرَّجُلَ القبطيَّ فقضى عليه.

***

الداعي الثاني: إرادة الوصف بما تضمّنته صلة الموصول، وهذا شائع كثير، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (البقرة): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [الآية 185].

***

الداعي الثالث: تحاشي التصريح باسمه لكونه مُسْتَهْجَناً، أو يُؤْثر المتكلِّم عدم التصريح به تأدُّباً أو تعفُّفاً أو استحياءً أو غير ذلك، فيكونُ تمييزه بالوصف عن طريق الموصول وصتله محقّقاً لمطلوب البيان، دون التعرض للتّلفُّظ بما هو مستهجَنٌ ممجوج مُسْتَكْرَهٌ في آذانِ المتلقين، أو ما يؤثر المتكلّم عدم التصريح به لسبب من الأسباب.

ومنه ما رواه الضحّاك بن سفيان أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

"إنَّ اللهَ جَعَلَ مَا يَخْرُجُ مِنِ ابْنِ آدم مَثَلاً للدّنْيَا"

أخرجه الإِمام أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان.

يلاحظ أنّ ذكر ما يخرج من ابن آدم باللّفظ الصريح مستَهجن، فأشار الرسول إليه بأنّه الذي يخرج من ابن آدم، فاستخدم اسم الموصول وصلته.

ومنه ما وراه البخاري عن سهل بن سعد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ يَضْمَنْ لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجنَّة".

***

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ٦٧