تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن الله المستحق للحمد فصرح باسمه وصفاته مؤذناً بأنه أهلاً للحمد والثناء، فلما صار المقام مقام عبادة واستعانة تحولت الجملة إلى الخطاب إيذاناً بالقرب من المحمود قلبياً، فلما سمح لك هذا القرب أن تطلب العون والمساعدة. ويستمر الخطاب في الجمل إلى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وبطلب مستمراً حتى جاء دور المغضوب تحول الأسلوب مرة أخرى، فمن تعظيم الله ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه والإضلال فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾

- وهذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ فالانتفال من الحديث عنهم، إلى الحديث إليهم زيادة في التهديد لأصحاب هذا القول الشركي الكفري ومواجهة لهم بالسخط عليهم والتأنيب لهم.

- وتأمل آية الإسراء مثلاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإن ظاهر السياق أن يقول الذي بارك حوله ليريه من آياته ولكنه عدل عن الغيبة إلى الحضور في وسط الآية، تعظيماً من شأن المسجد الأقصى، ومن شأن ما يُرى الله من آياته.

والأمثلة في كتاب الله كثيرة ظاهرة وهذا ليس مقام استقراء بل تمثيل.

المطلب الثالث

النظم في القرآن الكريم

النظم عدة مظاهر تتجلى فيها:

المظهر الأول: " الخصائص المتعلقة بالأسلوب "

و إليك هذه الخصائص:

الخاصة الأولى: إن هذا الأسلوب يجري عن نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، و يقوم في طرقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف من طرائقهم. بيان ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون نظما أو نثرا، وللنظم أعاريض، وأوزان محددة معروفة، و للنثر طرائق من السجع، و الإرسال و غيريهما مبينة و معروفة. و القرآن ليس على أعاريض الشعر في رجزه و لا في قصيده، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله و لا في تسجيعه، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا و لا ذاك، و لكنك مع ذلك تقرأ بضع آيات منه فتشعر بتوقيع موزون ينبعث من تتابع آياته، بل يسري في صياغته، و تألف كلماته، و تجد في تركيب حروفه تنسيقاً عجيباً يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطرباً يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، طالما كانت قراءته صحيحة. و مهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله تعالى و مختلف سوره وجدته مطبوعاً على هذا النسق العجيب فمن أجل ذلك تحير العرب في أمره، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه، و قارنوه بفنون النثر فوجدوه غير لاحق بالمعهود من طرائفه فكان أن انتهى الكافرون منهم إلى أنه السحر، واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من رب العالمين. و إليك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة، و تجلبها، قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُون﴾

و هذه الآيات بتأليفها العجيب، و نظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة و كان من أساطين البيان استولت على أحاسيسه، و مشاعره، وطارت بلبه، ووقف في ذهول، و حيرة، ثم عبر عن حيرته و ذهوله بقوله: " و الله

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ١٣٣