تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتبار البلاغيين.

ثالثاً: أن الطباق في القرآن يؤدي دوراً هاماً في مظاهر الإعجاز وسمة من سمات الأسلوب القرآني وقد سلم مع كثرته من التكلف بل هو آية في الحسن والجمال ومصدر للعجب على خلاف ما جاء به الشعراء والبلغاء. وهذه موازنة توضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

وبين قول الشاعر وقد طابق فيه بين خمسة وخمسة:

أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي

جاءت الآية بطباق فيه أربعة بأربعة. فيها من نزاهة الألفاظ وجزالتها دقة في التعبير وشرف المعنى ولكن بيت المتنبي لم يسلم من مآخذ مثل التكلف والألفاظ مقابلة بلفظة هي لها عن طريق المعنى بمنزلة الضد فأزورهم وأنثني وسواد وبياض والليل والصبح ويشفع ويغري، ولي وبي ولكن أصحاب الصنعة لا يجعلون الليل ضد الصبح بل ضد الليل النهار.

ذكر بعض أنواع المحسنات المعنوية باختصار.

1 - التورية: وهي نمط من التعبير فيه خلابة وله أسر، ومادة (ورى) تدور في اللغة حول الاختفاء والستر.

قال تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾

وتأتي بمعني: استقر قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾

وفي اصطلاح البلاغيين " أن تحمل الكلمة معنيين ويستعمل المتكلم أحدهما ويهمل الآخر ومراده ما أهمله لا ما استعمله.

وقد استخدم القرآن هذا الأسلوب فقال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإنه ورى عن الجماع باللمس كما هو عند الاحتاف. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وهنا كذلك عبر عن نفس الفعل بالمس. واستخدم كذلك كلمات أخر عن هذه المسألة بكلمة الجماع والرفث. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾

2 - المشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحته تحقيق أو تقديراً ومثل له الخطيب القزويني في الإيضاح بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فأطلق النفس على ذات الله هذا تحقيقاً.

أما وقوعه تقديراً ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي تطهير الله.

وهو كثير في القرآن مثل:

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

﴿يد اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

3 - صحة التقسيم: عرفه أبو هلال فقال:" التقسيم الصحيح أن نقسم الكلام قسمة مسؤولية تحتوي جميع أنواعه ولا يخرج منها جنس"

أمثلة من القرآن:

﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الخوف من الصواعق والبرق والطمع في المكر

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ فيه النشاط والقوة

﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً﴾ فيه المرض والضعف.

{يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور َأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ

عَقِيماً} تقسيم شمل كل الأفراد.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنة · الصفحة ١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البيان_في_القرآن_الكريم_والسنةص ١١١