وقد دأبت على قراءة هذا الشعر، فغابت عني معاني أكثره، كأن المعنى في قلب الشاعر لا يريد أن يبوح به إلى القراء.
وتذكرت مناقشة جرت في أحد سجون قاسم العراق، فذكرت أن كل من هب ودب يستطيع أن يكون شاعرة حرة، ولكن ليس كل من هب يستطيع أن يكون شاعر يصوغ الشعر الموزون المقفي.
ولكني أثبت ما ذكرته عملية طلبت من أحدهم أن يحضر ورقة وقلي، ثم أمليت عليه شعرا حرا، بدون معنى ولا هدف، وقد استغرق إملائي عشر دقائق فقط، ثم أوردت القصيدة إلى صحيفة في بغداد بدون ذکر ناظمها، وفي اليوم التالي وجدت القصيدة منشورة في الصفحة الأولى محاطة باطار خطي جميل، ومقدمة تقديم رائعة، يصف الشاعر بالعبقرية ويصف الشعر بالروعة والجمال.
وأشهد أنني كنت متعمدة ألا يكون للقصيدة أي معنى، وأن الحاضرين عند إملائها لن يفهموا حرفة واحدة، فكيف إذا فهمها المحرر الأدبي في الصحيفة الذائعة الصيت، الواسعة الانتشار، وكيف أقدم على نشرها مهلة مكبرة!!
ولكي أستكمل الصورة بالنسبية للمعتقلين الذين أتعبوا أنفسهم في المناقشة، بعثت قصيدة وهم شهود، من الشعر الموزون المقفى، نظمها شاعر مجيد من المعتقلين ولم ينشرها، دون ذكر اسمه حتى لا تمتنع الصحيفة الوطنية) عن نشر قصيدة معتقل تهمته التامر والخيانة .. وكانت القصيدة متينة الصياغة، غزيرة المعاني قوية المباني، تصف شروق الشمس وصفة أخاذة.
وانتظر المعتقلون يوما وأيام وشهر و أشهرا، دون أن تنشر الفصيدة!
ولا أدري هل المبادرة بنشر الشعر الحر المتهافت، والاحجام عن نشر الشعر الموزون المقفى سيبه الجهل المطبق، أم هناك أسباب أخرى!!