ربما تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أهم الأحداث في عصرنا الحاضر وأخطرها ، سواء هي في نفسها أو من خلال تداعياتها وذيولها . حيث اختلطت الأوراق على كثير من العقلاء من مسلمين وغير مسلمين ، وحامت الشكوك والظنون حول اليقينيات حتى تشكك الناس في عقولهم . وقد رأينا من المواقف والآراء المتباينة والمتناقضة من قبل أهل الملة المسلمة مالا يليق بأمة وسط ، هي خير أمة أخرجت للناس ، لها ثوابتها ولها مصادرها المعروفة . أما حين تستقرئ هذه المواقف المتباينة فإن ذاكرتك وتخيلاتك تذكرك بأهل الكتاب واختلافهم على أنبيائهم ، ثم تعدد كتبهم ومصادرهم . لقد رأينا من قومنا من أهل العلم والفكر والرأي من ندد بالحدث واستنكره بغض النظر عن ظروفه المكانية ، وفيهم من مرّره وبرّره ، وفيهم من تغاضى عنه ، كما رأينا من يبارك هذه الحرب ضد ما يسمى (الإرهاب) أياً كانت الجهة المقصودة ، ومهما يترتب عليها، وبأي وسيلة كانت ، ورأينا في المقابل من يستهجنها وينكرها .
كما سمعنا ، ومازلنا نسمع كيل الاتهامات ومباركة الأحكام الصوارم في حق كل شخص أو جهة أو مبدأ ينقم عليه الغرب ، وفي غمضة عين انقلبت مفاهيمنا السابقة ، فأصبح الجهاد والمقاومة إرهاباً ، وأصبح المجاهد إرهابياً ، وكل مجتمع مسلم يعتز بإسلامه فهو محل اتهام، فما مرد ذلك ؟
أهو بسبب هول الحدث وما نتج عنه من ذهول ، أم بسبب وسائل الإعلام التي تقوم بتهويل الحدث وترويج الشائعات وإلقاء الرعب ، وهي - في غالبها- وسائل إعلام غربي ، تعنى بالمصالح الغربية ليس إلا .
أم ترى ذلك بسبب غياب الإعلام الإسلامي الرزين الذي يتعامل مع الحدث بعقلانية وموازين إسلامية ، ويتصدى للأزمات بعزم وحزم .
أم تراه بسبب غياب الرأي العام الإسلامي الذي يحتوي مرئيات جماهير المسلمين ونظراتهم إلى الأحداث ، وتنبع - من ثم - القرارات والمواقف الثابتة . أم مردُّ ذلك إلى غياب المرجعية العلمية العليا التي يرجع إليها الناس عند كل أمر ذي بال يحتاج إلى حكم شرعي ويقفون عند رأيها .
إنها تساؤلات متسلسلة ، بل قل متداخلة تستحق الوقوف الطويل ، عسى أن نصل إلى شيء من الإجابات المفيدة .
أما الحدث ذاته فهو مهول ، ولذلك فقد يكون لصدمته رد فعل غير شعوري لكل من رآه ممن يعنيه أمره أو لا يعنيه ، كما حصل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حينما سمع بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث استنكر ذلك ونفاه . لكن أبا بكر - رضي الله عنه - كان أكثر صلابة منه مع ما هو مطبوع عليه من الرقة ، فتعامل مع الأمر بواقعية أكثر، وأحل السكينة محل الاضطراب ، فكانت تلك من أعظم مناقبه .
وهذا هو الأسلوب الأمثل تجاه الأحداث العظام ، فالتسرع ليس من شيم المسلم ، وقد مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - أشج عبد القيس بخصلتين طبع عليهما الحلم والأناه .
أما التساؤل الآخر : وهو دور وسائل الإعلام الغربي في تهويل الأحداث فهذا أمر مشهود ، وليس فقط مجرد التهويل ، ولكنه الاستغلال للحدث ، بحيث يكون ( قضية الساعة ) .
ثم يأتي أساطينه - وغالبهم من اليهود - فيوظفون القضية لمصالح الغرب بصفة عامة ، ولمصلحة الصهيونية والصليبية بصفة خاصة سواء عن طريق الخبر ، أو التحليل ، أو التصوير ، أو الرسم أو التمثيل ، أو الحوار .. إلى غير ذلك .
أما إعلام العرب أو المسلمين فإنه يأتي لاحقاً ومحاكياً ، وربما متسولاً عن طريق وكالات الإعلام الغربية وفضائياته . حتى لا يكاد يسمع للعرب والمسلمين صوت ، أو يقرأ لهم رأي مميز.
وكم يكون الناس - في شرق الأرض وغربها - محتاجين إلى الإعلام الرشيد ، الذي يتعامل مع الأحداث بعقل وعلم ، بعيداً عن الشطح والتطرف ، أو الانهزامية والتذلل .
وننتقل إلى التساؤل الخاص بالرأي العام فهو ( الرأي العام ) في نظري من أهم الموجهات والمؤثرات في صناعة القرارات في كل المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن هذه القرارات ومواءمتها للحق ؛ وذلك لكونه أثراً من آثار ثقافة المجتمع وأسلوب تفكيره .
والنظام الغربي ( الديمقراطي ) يعتمد على الرأي العام بشكل ملحوظ في كثير من شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وغيرها ، سواء في سياسته الداخلية أم الخارجية .
ولذلك فإن جُلَّ القرارات تكتسب صفة التأييد الشعبي ، مهما كانت قناعات الشعب ، حقيقية كانت أو مموهة .
أما في الإسلام الذي يختلف عن النظام الديمقراطي في كثير من الأصول والمنطلقات ، فإن في المسألة تفصيلاً . فكل قضية أو شأن منصوص عليه شرعاً فليس محل نظر أو استطلاع رأي .
" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". بل على المسلم ، أياً كان موقعه ، الامتثال والاستجابة .
وإذا كان لأهل العلم والرأي مجال - هنا- فهو في أسلوب التطبيق ، كما في أسلوب جباية الزكاة أو الطواف والسعي والرمي ، وكذا مثل الجهاد ، وتنفيذ الحدود .. إلخ .
أما ما كان محل اجتهاد في مسائل الدين فمردّه إلى أهل العلم المجتهدين ، فهم الذين يرجحون ويناقشون أو يحسمون الخلاف . وأما شؤون الحياة التفصيلية فمرجعها أهل الاختصاص والخبرة والتجربة .
ومن التكلف الظاهر إيجاد الحواجز بين الدين وشؤون الحياة ، فيقال : هذا أمر ديني مرجعه الأشياخ من العلماء ، وهذه دنيا ليس لهم إليها من سبيل ،اللهم إلا في تنظيم الأمور الدنيوية البحتة وتنفيذها ، أما تفصيل أحاكمها فهو إلى الأشياخ وليس إلى العامة . على أن مجالات الحياة واسعة سواء في تنظيمها أو تنفيذها ، الأمر الذي يجعل للرأي مجالاً رحباً ، وهو ما يلحظ في أسلوب المؤسسات والجهات الحكومية وغير الحكومية ، التي تقدم مشروعات ومقترحات من خلال مشاورات ومداولات كثيرة تصل في نهاية المطاف إلى تنظيمات أو قرارات .
وربما كان لوسائل الإعلام زمام المبادرة إلى إبداء الملحوظات ، ثم المقترحات في أمور غير محصورة ؛ الأمر الذي يؤكد أهمية الرأي العام في مجتمعاتنا المسلمة .
لكن ( الرأي العام ) ليس مصدر صناعة الإعلام فقط ، بل ثمة مصادر أخرى لا تقل أهمية ،يأتي في مقدمتها :
أ) المنبر المسجدي : حيث يفترض أن من يعتليه من الخطباء هم على مستوى رفيع من العلم والوعي ، بحيث تكون خطبهم مصدر إلهام للمستمعين ، تجمع بين العظة والتعقل وبُعد النظر والتعليم والتفقيه . وهذه مميزات لا تتوافر بالضرورة في الإعلام الذي يعتمد الإثارة في وسائله في أكثر مواده الإعلامية .
ومن هنا ينبغي التوكيد على أهمية هذا المصدر (أعني المنبر ) وحثّ أصحابه على الاستثمار الجيد ، الذي يزرع في القلوب الإيمان والتقوى ، والخشية في السر والعلانية ونشر الوعي العام بين الناس . ويكون من الخطأ البيّن التهوين من شأن هذا المصدر وشأن الخطيب ، وأن وظيفتهما محصورة في دائرة ما يسمى (الوعظ) .
إذ بهذا المنهج يعيش الناس في انفصام شديد بين حياة المعاد وحياة المعاش ، بل في صراع مرير بين قناعاتهم الشرعية أو الإيمانية وبين هموم الحياة اليومية .وغني عن البيان كثرة الشائعات وسرعة انتشارها في الأزمات مما يولد الذعر واختلاف الرأي ، وليس أولى وأجدر في علاج هذه المشكلة من المسجد ولو ظنَّ أكثر الناس غيره .