تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مرحلة الشباب ـ يا شباب ـ هي مرحلة الطاقة المتوقدة والحيوية المتدفقة، والعطاء بغير حدود، والفترة التي تستطيع فيها أن تصنع العجائب، وآمالك ومستقبلك إذا لم يتحقق في هذه المرحلة فعليك العفاء.

إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً *** فمطلبها كهلاً عليه عسير

يقول عالم النفس وليم جيمس:

" إذا قسنا أنفسنا إلى ما يجب أن نكون عليه لاتضح لنا أننا أنصاف أحياء، فإننا لا نستخدم إلا جانباً يسيراً في حدود ضيقة يصنعها داخل حدوده الحقيقية، إنه يمتلك قوى كثيرة مختلفة، ولكنه عادة لا يفطن لها، أو يخفق في استخدامها".

** أتعرف يا صديقي الشاب أن الفراغ الذي تعاني منه قد حدا بعمالقة البشر إلى أن يستثمروه في الحصول على بطولات رياضية، أو انتصارات علمية تنعم البشرية في ظلها اليوم، ففرضوا أنفسهم على الناس أحياء وأمواتاً، ولم يذهبوا كغثاء السيل، ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا نسخاً مكررة من ملايين النسخ التي تشاهدها في النماذج البشرية كل يوم، وإنما رحلوا عن الدنيا وقد تركوا بصماتهم عليها.

والفتاة المسلمة أيضاً ينبغي علينا أن تقيم لها النوادي المغلقة الخاصة بها لتمارس فيها نشاطها الاجتماعي والرياضي، وعليها أن تشغل أوقات فراغها بالتفصيل والتطريز والقراءة (وتمريض النساء)، وأن تعد نفسها لتكون زوجة مثالية، وأماً مثقفة ينعكس ظل ثقافتها على تربية أولادها بل وعلى مجتمعها المسلم أيضاً.

تقول ((دروثى كارنيجى)): وكثيرون هم الناجحون الذين بلغوا ذروة النجاح معتمدين على ما جنوه من علم ومعرفة خلال أوقات فراغهم: كان ((تشارلس فروست)) إسكافياً ولكنه استطاع أن يصبح من المبرزين في الرياضيات بتخصيص ساعة واحدة من يومه للدراسة، وكان ((جون هتنر)) نجاراً، ثم شرع يدرس ((التشريح المقارن)) في أوقات فراغه، مخصصاً لنومه أربع ساعات وحسب من الليل، حتى أصبح حجة في هذا الميدان، واستطاع ((سير جون لايوك)) أن يقتطع من يومه المزدحم بالعمل بوصفه مديراً لأحد المصارف ـ ساعات يقضيها في دراسة التاريخ حتى أصبح علماً بين المؤرخين، وتعلم ((جورج ستيفنسون)) الحساب في أوقات نوباته الليلية بصفته مهندساً، ووسعه مستعيناً بهذا العلم أن يخترع القاطرة، ودرس "جيمس واط" الكيمياء والرياضة في أثناء اشتغاله بالتجارة فأمكنه أن يخترع المحرك البخاري، والله كم كان يخسر المجتمع الإنساني لو أن هؤلاء الرجال قنعوا بأعمالهم المتواضعة، ولم يجدوا في أنفسهم دافعاً للاستزادة من العلم والمعرفة، ولا يلومن أحد إلا نفسه إذا لبث مغموراً مجهولاً لأنه تخلى عن متابعة العلم منذ اللحظة التي أدرج فيها اسمه في كشف المرتبات".

** صديقي الشاب، إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل، وقد يهجس لك الشيطان فيغريك ويمد لك في حبال الأماني الكاذبة فيقول لك: إنك ما زلت ترفل في حميا الشباب، ومازال العمر ممتداً لتحقيق الآمال، ولكنها وساوس خبيثة تجعل الشاب بعد أن أصبح في عداد الشيوخ ينظر إلى عمره الذي ولى، وكأنه حلم نائم.

يقول " ستيفن ليكوك": " ما أعجب الحياة، يقول الطفل: عندما أشب فأصبح غلاماً، ويقول الغلام: عندما أترعرع فأصبح شاباً، ويقول الشاب: عندما أتزوج، فإذا تزوج قال: عندما أصبح شيخاً متفرغاً، فإذا واتته الشيخوخة، تطلع إلى المرحلة التي قطعها من عمره، فإذا هي تلوح كأن ريحاً اكتسحتها اكتساحاً إننا لا نتعلم إلا بعد فوات الأوان أن قيمة الحياة في أن نحياها، وفي أن نحيا كل يوم منها وكل ساعة ".

إننا في حاجة إلى الطبيب المسلم، والصيدلي المسلم، والمهندس المسلم، والمعلم المسلم، والمحاسب المسلم، والمحامي المسلم، والموظف المسلم، والمحترف المسلم في كل ميدان نحتاج إلى علماء مسلمين، حتى يقدموا العطاء الكبير لهذا الدين، ولن يتمكنوا من العلم لهذه الغاية النبيلة من خلال هذه المجالات إلا إذا كانوا علماء فيها، ولن يكونوا علماء فيها إلا إذا سخروا أوقات فراغهم لبلوغ هذا الهدف العظيم.

وأخيراً تأمل معي قول الشاعر:

اثنان لو بكت الدماء عليهما *** عيناي حتى يؤذنا بذهاب

لم يبلغا المعشار من حقيهما *** فقد الشباب وفرقة الأحباب

http://www.islamweb.net المصدر:

===============

الفراغ

إسماعيل بن صالح

أحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات فراغه، لا بالإفادة منها بعد أن توجد، بل بخلق الجهد الذي يستنفد كل طاقة، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده أنه لا عمل له.

إن الفراغ في الشرق يدمر ألوف الكفاءات والمواهب، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة!

يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له سقط من عيني.

وقال أيضاً: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً (أي فارغاً) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.

وقال حكيم: من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه!

والفراغ داء قتال للفكر والعقل والطاقات الجسمية، إذ النفس لابد لها من حركة وعمل، فإذا كانت فارغة من ذلك تبلد الفكر وثخن العقل، وضعفت حركة النفس، واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب، وربما حدث له إرادات سيئة شريرة ينفس بها عن هذا الكبت الذي أصابه من الفراغ.

وقد نبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلى غفلة الألوف من الناس عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: (نعمتان من نعم الله مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ)، ويقصد بالفراغ: الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من حيث الاشتغال بالأمور الأخروية.

وفى الحديث الآخر: (اغتنم خمساً قبل خمس) - وعد منها - (وفراغك قبل شغلك).

يقول بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، وكان السلف الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه. ويشتد خطر الفراغ إذا كان موجوداً لدى الشباب الذين يتميزون بقوة الغريزة والجدة، وفى هذا يقول أبو العتاهية:

إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة!

ويقول آخر:

لقد هاج الفراغ عليه شغلاً وأسباب البلاء من الفراغ

ولقد قطع الله - تعالى - المعذرة لأهل الفراغ بقوله:((وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسَابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً))[الإسراء:13] فأتاح لهم التكسب من نعم الله وفضله، والنظر في مخلوقاته، والتفكر فيها، واسترجاع طاقات العقل بما ينفع من أمور الدنيا والآخرة.

وبتعدد أنواع الفراغ يمكننا تقييم الحالات التي يصاب بها الشخص من إهدار الأعمال على هامش المفسدة، فجعل الله صفة "الفراغ العقلي" للدواب، وذلك لأنها غير مهيئة لاستخدام عقلها، فشابهها الإنسان عندما يعطل دور عقله في تحصيل العلوم النافعة، وهذا هو سر تمييز عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للرجال حين قال: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خُلُقه.

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٥٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٥٨١