تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَغَيْرُ مُشَاحٍ صَاحِبَيَّ هَذَيْنِ، وَإِنَّ السَّلَامَةَ لَدَيَّ لَفِي اعْتِزَالِ هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ السَّائِحُ: مَا أَظُنُّ صَاحِبَيْكَ يَكْرَهَانِ اعْتِزَالَكَ عَنْهُمَا فَأُشِيرُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَأَتْرُكُكَ قَالَ: بَلْ تَخْتَارُ لِأُمَّتِكَ مَنْ بَدَا لَكَ. قَالَ لَهُ السَّائِحُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ نَزَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ، وَصِرْتُمُ الْآنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَأَعِظُكُمْ، وَأَضْرِبُ لَكُمْ أَمْثَالَ الدُّنْيَا، وَأَمْثَالَكُمْ فِيهَا، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ وَالْخِيَارُ لِأَنْفُسِكُمْ.

اغْتِنَامُ الْعُمُرِ وَالتَّوَثُّقُ بِالْعَمَلِ فَأَخْبِرُونِي: هَلْ عَرَفْتُمْ مَدَاكُمْ مِنَ الْمُلْكِ، وَغَايَتَكُمْ مِنَ الْعُمُرِ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي، لَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ: فَلِمَ تُخَاطِرُونَ بِهَذِهِ الْغِرَّةِ؟ قَالُوا: رَجَاءَ طُولِ الْمُدَّةِ قَالَ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكُمْ مِنْ سَنَةٍ؟ قَالُوا: أَصْغَرُنَا ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَكْبَرُنَا ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: فَاجْعَلُوا أَطْوَلَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الْعُمُرِ مِثْلَ سِنِّكُمُ الَّتِي عَمَّرْتُمْ، قَالُوا: لَسْنَا نَطْمَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا خَيْرَ فِي الْعُمُرِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: أَفَلَا تَبْتَغُونَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ مَا تَرْجُونَ مِنْ مُلْكٍ لَا يَبْلَى، وَنَعِيمٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَذَّةٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَحَيَاةٍ لَا يُكَدِّرُهَا الْمَوْتُ، وَلَا تُنَغِّصُهَا الْأَحْزَانُ، وَلَا الْهُمُومُ، وَلَا الْأَسْقَامُ؟

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا · الصفحة ٣٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنياص ٣٤