تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، وَكَانَ مَعَ صَاحِبِ أَسْقُولِيَّةَ كَاهِنَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَا إِنَّ هَذَا الْجَيْشَ سَيُقِيمُونَ عَلَى أَفْرُولِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَرْمُونَهَا بِالْمَجَانِيقِ، وَتُفْتَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. قَالَ الْآخَرُ: لَا، بَلْ يُقِيمُونَ سَبْعَةً وَيَنْصَرِفُونَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْبَعْثِ قَوْلَهُمَا قَالُوا: مَا نَدْرِي لِلْبَدَاءَةِ نَحْمِلُ الزَّادَ أَمْ لِلْبَدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ؟ قَالَ فَوْجٌ مِنْهُمْ: نَقْبَلُ قَوْلَ الْكَاهِنِ الَّذِي قَالَ نَفْتَحُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، وَلَا نُعَنِّي أَنْفُسَنَا بِحَمْلِ ثَقِيلِ الزَّادِ. وَقَالَ الْفَوْجُ الْآخَرُ: إِنَّمَا هِيَ أَنْفُسُنَا، لَا نُخَاطِرُ بِهَا، فَحَمَلُوا الزَّادَ لِلْبَدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَفْرُولِيَّةَ، وَقَدْ أَخَذُوا بِالْحَزْمِ، وَتَحَرَّزُوا دُونَهُمْ بِحِصْنٍ دُونَ حِصْنٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِالْمَجَانِيقِ فَفَتَحُوا حَائِطَهَا الظَّاهِرَ، فَنَاهَضُوهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الثَّغْرَةَ إِذَا لَهَا قَصَبَةٌ أُخْرَى حَصِينَةٌ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِدُخُولِ الْحَائِطِ الْأَوَّلِ، وَجَاءَهُمْ بَرِيدٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ أَنَّ مَلِكَهُمْ قَدْ مَاتَ، فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، فَهَلَكَ مِمَّنْ فَرَّطَ فِي حَمْلِ الزَّادِ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَصَارُوا مَثَلًا، وَكَذَلِكَ يَهْلَكُ مَنْ فَرَّطَ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ، وَيَنْجُو مَنْ تَزَوَّدَ لَهَا، وَتَحَرَّزَ مِنْ بِوَائِقِهَا، كَمَا تَحَرَّزَ أَهْلُ أَفْرُولِيَّةَ، وَكَمَا نَجَا مَنْ تَزَوَّدَ مِن أَهْلِ أَسْقُولِيَّةَ لِلرَّجْعَةِ.

الْوَصِيَّةُ الْأَخِيرَةُ قَالَ النَّفْرُ السِّتَّةُ لِأَنْطُونِسَ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَكَ، وَأَبْلَغَ مَوْعِظَتَكَ ⦗٥٥⦘. قَالَ: أَمَا إِنَّ حَلَاوَةَ عِظَتِي لَا تُجَاوِزُ آذَانَكُمْ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى فِي النَّامُوسِ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ دَاوُدُ مِنَ الزَّبُورِ، وَالْمَسِيحُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَفِي كُتُبِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَالثَّوَابُ لِمَنْ عَمِلَ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وَالْأَجِيرُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ عِنْدَ رَبِّ أَجْرِهِ، فَانْظُرُوا فِي أَعْمَالِكُمْ، واقْضُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ مَا لَكُمْ وَمَا عَلَيْكُمْ، وَانْصَرِفُوا عَنِّي رَاشِدِينَ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ، وَمَلَّكُوا أَحَدَهُمْ، وَرَضُوا بِهِ.

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا · الصفحة ٥٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنياص ٥٤