ثمة اختيار لبني آدم وهو بعد مشيئة الله عز وجل، وثمة اختيار أقل للبهائم وهو دون اختيار الإنسان، تدرك فيه الحقوق التي بينها، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء)، فالبهائم تحاسب يوم القيامة ولكن تحاسب في الحقوق التي بينها فقط، ولا تحاسب في التكاليف الأخرى، ثم بعد ذلك الله عز وجل يقضي أمرها بأن تكن تراباً. وأما من جهة العبادات فحالها الإذعان لا تخالفه، فإنها كحال الجمادات تسبح بحمد الله سبحانه وتعالى. إذاً: لديها نوع تكليف وهو مسألة الحقوق التي تكون بين البهائم، فيقتص الله عز وجل، ويرتقي الإنسان في هذا من جهة التكليف ويكون تكليفه أعظم من تكليف البهائم، فلديه اختيار في جوانب أخر من أمور العبادة، وإذا حضر اختيار الإنسان حضر الحساب عليه، وإذا ضعف ذهب الحساب عنه، ومشيئته بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى. وهذه المسألة مما يتفرع عنها وبعض لوازمها ما يتعلق بمسائل القدر وخلاف الناس في هذا الباب كنفي نفاة القدر الذين ينفونه تعظيماً لله عز وجل أن الله يقدر على عبده شيئاً من الأمور والذنوب ثم يحاسبه الله عز وجل عليها، نقول: إن الله عز وجل يقدر على عبده شيئاً ويجعل له اختياراً، فهو يعلم ماذا يفعل الإنسان؛ وذلك لسعة علمه وكماله، فإذا وجد اختيار الإنسان فعليه يحاسب، وإذا غاب اختيار الإنسان فلا يحاسب، وذلك كحال الإنسان النائم، فالنائم إذا سقط على شيء ثم أفسده فإنه لا يحاسب عند الله سبحانه وتعالى، كحال الحجر والسيل الذي يمضيه الله عز وجل ثم يتلف شيئاً فلا يجري عليه شيء من الحساب والعقاب، فإذا استيقظ ووجد لديه إدراكه فإن إدراكه حينئذ هو الذي يكون عليه الحساب ويعاقبه الله عز وجل عليه، وهذا هو الفيصل بين أهل السنة والأثر وبين أهل البدع في هذا الباب.
التعليق على سنن أبي داود · الصفحة ٣٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
التعليق على سنن أبي داودص ٣٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي