تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عمن اختار الأولى عن الآخرة بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: 69] الإشارة فيها: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ما كان أخذ الفداء من الأسارى شيمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - فإنه رغبة في الدنيا، ومن شيمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما لي وللدنيا " ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأرض: 67] أي: يبالغ في قهره الأعداء، وقذف الرعب في قلوبهم، ورسوخ أمر الدين في قلوب المؤمنين، فأمَّا أخذ الفداء كان لرغبة بعضكم في الدنيا بعد أن شاوركم فيه بأمر الله تعالى إذ أمره بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] فرغب أكثركم فيه.

والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: 67] خاطب به القوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يشير: أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها بالطبع، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67] يعني: والذي يريد الآخرة منكم ليس سجيته وطبعه، وإنما هو من توفيق الله إياه وتأثير نظر عنايته ورحمته إلى قلبه ونفسه، فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [الأنفال: 67] لا ينظر بنظر العناية إلا الجاهل العزة، ﴿حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 67] فيمن يعزه بنظر العناية، وفيمن يذله بالسخط والخذلان، ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] بالبقاء على هؤلاء الأسارى ليؤمن بعضهم ويؤمن أولاد بعضهم وذراريهم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: 68] من الغنائم وملتم إلى الدنيا وأخذتم جعلا على الجهاد في سبيل الله، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] بأن يجعل جهادكم في سبيل الدنيا، ويخرجكم عن ثوابه في الآخرة بل يعاقبكم عليه، ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً﴾ [الأنفال: 69] بأن تجعلوه في عدة الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر.

﴿طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69] أي: طيباً به نفوسكم في الإنفاق طيباً عن لون محبته وتعلقه بقلوبكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: 69] أي: اتقوا بالله عما سواه، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الأنفال: 69] يغفر بأنوار جوده ظلمات وجودكم، ﴿رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: 69] بكم فيما يفنيكم عنكم ويبقيكم به.

التأويلات النجمية · الصفحة ٦١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٦١٠