﴿وَيَحْيَى﴾ [الأنفال: 42] من أرواح السعداء المخلوقة للجنات والقربات، ﴿مَنْ حَيَّ﴾ [الأنفال: 42] بالإيمان وأنواره والإيقان وأسراره والعرفان وحقائقه، ﴿عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] حجة ثابتة عليه بعد كماله الاستعداد، وصرفه في طلب الكمال والوصول إلى حضرة ملك ذي الجلال، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ [الأنفال: 42] لمن دعاه بالوصول والوصال إليه بالغدو والآصال، ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 42] بأحوال العباد ومصالحهم.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: 43] مع كثرتهم في الصورة ليعتبر نومكم بأنهم قليلو المعنى قليلو القوة والشوكة، وأنه تعالى يكثر قلبكم بالملائكة وقوة القلب ويظهركم عليهم، ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً﴾ [الأنفال: 43] في الصورة والمعنى فحسبتموهم ذات الشوكة، ﴿لَّفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: 43] كما هو طبع الإنسان ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: 43] أمر القتال، ﴿وَلَكِنَّْ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: 43] قلوبكم عن الموت البشري بما أراكم قليلاً، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43] عالم بما في القلوب.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: 44] أي: في أعين الصحابة كما أراكهم في النوم قليلاً؛ ليعلم أن نومكم وحي ولا خلاف فيه لئلا تفشلوا، ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: 44] لأنهم ينظرون إليكم بالأبصار الظاهرة لا يرون كثرة معناكم وقوة قلوبكم ومددكم من الملائكة، فإنهم عمي البصائر والقلوب ولئلا يفروا من القتال كما فر إبليس لما رأى مدد الملائكة وهو قد جاء مع الكفار في صورة سراقة فقالوا له: أين تفر؟ فقال: لهم إني أرى ما لا ترون، والحكمة في ذلك ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: 44] في علم الله، ومشيئته بقضائه وقدره وحكمة بالغة منه، وفيه إشارة إلى أن من سنة الله تعالى أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم حقائق الأشياء حقاً وصدقاً وهو يخبر بها ثم يرونها أرباب الصورة في الظاهر بضدها ابتلاءً واختياراً للمؤمن والمنافق يزل قدمه ويشوش حاله، وبالاعتراض يزيد نفاقه على النفاق وعماه على العمى، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: 44] فحال المؤمن وأمره يرجع إلى رضاه، وحال المنافق يرجع إلى سخطه، والرضا والسخط من آثار لطفه وقهره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ثم أخبر عن أسباب الفلاح لأرباب الصلاح بقوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48] والإشارة فيها: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 45] يشير إلى أن القلوب والأرواح المؤمنة بشواهد الحق، ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ [الأنفال: 45] جماعة العدو، فالنفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها، ﴿فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاق والقلب، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [ألأنفال: 45] فإنكم بمداومة الذكر تعبرون عن ظلمات الوجود، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: 45] تخلصون عن ظلمات الخلقية وتفوزون بأنوار الحقيقة.