" أنا لكم كالوالد لولده " وقوله صلى الله عليه وسلم: " أول ما خلق الله روحي " فإن أول كل نوع هو المنشأ منه ذلك النوع من الحيوانات والنبات بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189] يشير إلى أن آدم عليه السلام لما خلق ونفخ في الورح كان روحه مستوحشاً من القلب الجسماني؛ لأنه كان أنيس الحق تعالى في حضائر القدس بكذا ألف سنة؛ ولهذا سمي إنساناً، ثم ولد له من نفسه بالنفخة الإلهية حواء، فلو لم يخلق حواء من نفسه لما سكن روحه إلى غير الحق، ومع هذا ما كان ليسكن روحه وروحها إلى شيء حتى أمر بالسكون إلى الجنة ونعيمها تأكيداً لمساكنة كل واحد منهما إلى الآخر بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35] وهذا أمر التكوين إلى سكون الروح إلى القلب؛ لأنه خلق منه؛ ولأنه كان مخصوصاً بين الأصبعين من أصابع الله تعالى، وكان الروح يشم من القلب نسيم نفحات ألطاف الحق تعالى.
﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: 189]؛ أي: الروح القلب، ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: 189]؛ أي: حمل القلب بالنفس وصفاتها حملاً خفيفاً في البداية بظهور آدنى أثر من أثار الصفات، خافاً على أنفسهما الروح والقلب من تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية، ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 189].
﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً﴾ [الأعراف: 190]؛ أي: نفساً قابلة للعبودية، ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: 190]؛ أي: جعل الروح والقلب وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها؛ ليقوم القالب بها؛ ولقيامها صلاحاً للعبودية، فلما استلذت النفس من الدنيا عبدتها وعبدت ما فيها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدنيار، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: 190] بأن يجعلوه شريك الدنيا في التعبد والعبودية، ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: 191] يعني: الدنيا وما فيها، ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ [الأعراف: 192]؛ أي لا يستطيع الدنيا وما فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله تعالى، ﴿وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: 192] للبقاء والدوام.