تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لمَّا أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالماً صغيراً مناسباً للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص الكامل على عرش القلب استواءاً لا مكانياً لا استواءاً مكانياً؛ ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت في هذا المثال تأملاً شافياً وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافياً، وتحققت حقيقة: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - إن شاء الله تعالى - فيقول تعالى: ﴿يُغْشِي الَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره استيلاء المحبة عليه.

﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب بلا واسطة، كما خاطب النار ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين السفليات كتابة للقدرة وإيصالاً للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمراً، وما خلق بواسطة خلقاً، وقال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾؛ أي: له القدرة والتصرف في العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة.

التأويلات النجمية · الصفحة ٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٥٤٢